جبل الفاس: الأسطورة النووية المدفونة في أعماق إيران… هل هو الحصن الذي لا يُقهر؟
بقلم:فاتنة علي،لبنان/سورية الطبيعية
في زمنٍ أصبحت فيه الأقمار الصناعية ترصد أدق التفاصيل على سطح الأرض، لم يعد الاختباء فوقها خيارًا آمنًا. وهنا تحديدًا، بدأت بعض الدول تفكر بمنطق معاكس: النزول إلى العمق، إلى حيث لا تصل العيون ولا الإشارات. ومن بين أكثر ما يُتداول في هذا السياق، يبرز الحديث عن “جبل الفاس” في إيران، كواحد من أكثر المشاريع غموضًا وإثارة للجدل.
بحسب هذه الروايات، فإن إيران—التي راقبت لعقود تطور القدرات الجوية والاستخباراتية العالمية—أدركت أن كل ما هو ظاهر أصبح هدفًا مستباحًا، خصوصًا في ظل التفوق في الاستطلاع الفضائي. ومن هنا، كان التحول نحو بناء منشآت عميقة تحت الأرض، تبدأ من “فوردو” ولا تنتهي بما يُقال إنه مشروع أكثر تعقيدًا وعمقًا داخل جبل الفاس.
هذا الجبل، وفق ما يُتداول، ليس مجرد موقع تخزين، بل بنية تحتية متكاملة بُنيت على عمق يصل إلى نحو 600 متر داخل صخور جرانيتية شديدة الصلابة. اختيار هذا النوع من الصخور لم يكن عشوائيًا، إذ يُنظر إليه كدرع طبيعي يصعب اختراقه، سواء بالوسائل التقليدية أو حتى بالقنابل الخارقة للتحصينات، التي قد تفقد فعاليتها قبل الوصول إلى الهدف الحقيقي.
التصميم—كما يُصوَّر—يعتمد على فلسفة “التشتيت بدل المواجهة”، حيث:
لا وجود لمدخل مركزي واحد، بل شبكة مداخل متعددة.
الأنفاق ليست مستقيمة، بل ملتوية لتقليل تأثير موجات الانفجار.
التهوية مصممة لتبدو كشقوق طبيعية في الجبل.
العزل التقني شبه كامل، دون ارتباط مباشر بشبكات خارجية، لتقليل التعرض للهجمات السيبرانية.
وفي هذا السياق، تبرز أحداث محافظة أصفهان، وتحديدًا في المناطق الصحراوية القريبة من كاشان. حيث تداولت بعض القنوات تقارير عن عمليات إنزال جوي أو تحركات ميدانية محدودة في تلك المنطقة. وتُفسَّر هذه الوقائع—ضمن هذا الطرح—على أنها محاولة للوصول إلى مواقع حساسة أو اختبار جاهزية الدفاعات والبنية التحتية تحت الأرض.
هذه الأحداث، تعكس مستوى التعقيد الذي قد يواجه أي محاولة للتعامل مع منشآت من هذا النوع. فالضربات الجوية قد تبدو، في مثل هذه الحالة، كأنها تأثير سطحي لا يصل إلى العمق الحقيقي، بينما السيناريو البري يطرح تحديات أكبر بكثير، خاصة في بيئة مجهولة مليئة بالأنفاق والتفرعات.
الأهم من ذلك، أن هذه الفكرة—بغض النظر عن مدى دقتها—تفتح الباب أمام تحول استراتيجي أوسع:
هل نحن أمام بداية “شرق أوسط تحت الأرض”؟
حيث تصبح المنشآت الحيوية مخفية في الأعماق، بعيدة عن أعين العالم، ومحصنة بطبيعة الأرض نفسها قبل التكنولوجيا؟
في ظل هذا التصور، لم تعد القوة فقط في السلاح، بل في المكان، في الجغرافيا، وفي القدرة على تحويل الطبيعة إلى درع استراتيجي يصعب كسره.
ما زاد من زخم هذا الطرح هو ما تلا تلك الأحداث من تداول غير رسمي لما وُصف بتسريبات أو قراءات استخباراتية، تشير إلى أن المنطقة المحيطة بـكاشان قد تخفي أكثر مما يظهر على السطح. بعض هذه الروايات تتحدث عن شبكة منشآت مترابطة تعمل بنظام “الجزر المعزولة”، حيث يمكن لكل جزء أن يستمر بالعمل حتى في حال تعطل أجزاء أخرى، فيما تشير أخرى إلى أن العمق الحقيقي للمشروع لا يُقاس فقط بالأمتار تحت الأرض، بل بمدى التعقيد الهندسي الذي يجعل الوصول إليه تحديًا بحد ذاته.
كما تُطرح فرضيات بأن ما جرى في أصفهان لم يكن هدفه التدمير المباشر، بل الاستكشاف أو إرسال رسائل استراتيجية، في بيئة يُعتقد أنها مشبعة بأنظمة إنذار مبكر وبنية تحتية مخفية. وفي ظل غياب معلومات مؤكدة، تبقى هذه التسريبات في دائرة التحليل، لكنها في الوقت ذاته تعكس قناعة متزايدة بأن الصراع لم يعد فقط على ما هو ظاهر، بل على ما هو مخفي بعناية.
وهنا، يصبح “جبل الفاس”—سواء كحقيقة كاملة أو كرمز—تجسيدًا لفكرة أوسع: أن موازين القوة قد تتحول من السماء المفتوحة إلى الأعماق المغلقة، حيث لا تُحسم المعارك بالضربة الأولى، بل بمدى القدرة على البقاء غير مرئي.
حين تصل الحروب إلى مرحلة تُرى فيها كل التحركات من السماء، يصبح الانتصار الحقيقي… لمن يعرف كيف يختفي تحتها.
