ليست المسألة في أرمينيا تفصيلاً انتخابياً عابراً، ولا هي مجرد تعاون تقني بين هيئة رسمية ومنظمة دولية كما يُراد تسويقها. ما يجري هو نموذج مكثّف لآلية أوسع: هندسة سياسية ناعمة تُدار تحت لافتة “دعم الديمقراطية”، فيما هي في جوهرها إعادة تشكيل لخيارات الشعوب بما يتناسب مع المصالح الغربية، وعلى رأسها الأميركية.
حين نستمع إلى سردية “IFES” وغيرها من المنظمات، يبدو المشهد مثالياً: تدريب، شفافية، مواجهة التضليل، دعم مؤسسات. لكن خلف هذه اللغة المنمّقة، يقف واقع مختلف تماماً: شبكة تمويل، توجيه، وتأثير، تتداخل فيها الحكومات الغربية مع منظمات تُقدَّم كـ”مستقلة”، بينما هي عملياً جزء من منظومة نفوذ سياسي عالمي.
من الدعم التقني إلى الوصاية المقنّعة
وجود “المؤسسة الدولية للأنظمة الانتخابية” (IFES) في أرمينيا منذ التسعينيات ليس جديداً، لكن ما يتكثّف اليوم قبيل انتخابات 2026 يطرح أسئلة جوهرية: لماذا يتصاعد هذا الحضور الآن؟ ولماذا يترافق مع برامج تدريب مكثّفة حول “مكافحة التضليل” و”التهديدات الهجينة”؟
هذه المصطلحات ليست بريئة. في الأدبيات الغربية المعاصرة، غالباً ما تُستخدم كرموز مشفّرة تشير إلى استهداف القوى غير المنسجمة مع التوجهات الغربية، خصوصاً تلك المصنّفة ضمن خانة “القريبة من روسيا” أو الرافضة للهيمنة الأطلسية. وهنا تتحول “الديمقراطية” من فضاء تعددي إلى آلية فرز سياسي مسبق، حيث يتم تأهيل الإدارات الانتخابية لتتعامل مع اتجاهات معينة بوصفها “مشكلة يجب احتواؤها”.
الأخطر من ذلك أن هذه المنظمات ليست كيانات محايدة. فحين يكون تمويلها آتياً من وزارة الخارجية الأميركية، و”الصندوق الوطني للديمقراطية” (NED)، ووكالات أوروبية رسمية، وحين يترأسها مجلس إدارة مرتبط بالحزبين الأميركيين، فإن الحديث عن الاستقلالية يصبح ادعاءً نظرياً لا يصمد أمام الواقع.
ما كُشف في مولدوفا ليس حادثة معزولة، بل هو نافذة على طريقة عمل متكررة. تجنيد “مراقبين دوليين” من داخل البلد نفسه، تمويل استطلاعات رأي تخدم السلطة القائمة، والتأثير غير المباشر على الرأي العام—كلها أدوات تقع ضمن ما يمكن تسميته “إدارة النتائج دون تزوير مباشر”.
وهنا يكمن جوهر التحول: لم تعد السيطرة تتطلب صناديق مزوّرة أو انقلاباً عسكرياً. يكفي ضبط البيئة الانتخابية، وتوجيه الخطاب، وتدريب الكوادر المعنية، ليصبح الناتج “طبيعياً” لكنه موجّه سلفاً.
هذه الشبكة تعمل بتناغم، بحيث تُعاد صياغة المجال السياسي بالكامل: من تعريف “المقبول” و”المرفوض”، إلى تحديد من يُمنح الشرعية ومن يُدفع إلى الهامش.
نعم، مع اختلاف في الأدوات لا في الجوهر. المنهج واحد: التأثير الناعم طويل الأمد بدل التدخل الخشن المباشر. لكن تطبيقه يتكيّف مع خصوصية كل بلد:
في لبنان، لا يظهر التدخل دائماً عبر إدارة مباشرة للانتخابات، بل عبر التأثير العميق في البيئة السياسية والإعلامية والاقتصادية التي تسبقها.
التمويل الخارجي لجزء من المجتمع المدني، برامج التدريب السياسي، دعم وسائل إعلام، رعاية استطلاعات رأي، والتدخل في صياغة الخطاب العام—كلها أدوات تُستخدم لإعادة تشكيل المزاج السياسي. وهنا تصبح الانتخابات محطة تتويج لمسار تم إعداده مسبقاً، لا لحظة حرة بالكامل.
هذا لا يعني أن كل نشاط مدعوم خارجياً هو مؤامرة، لكن تجاهل تضارب المصالح البنيوي في هذا النوع من الدعم هو سذاجة سياسية. فالدول لا تموّل بلا أهداف، والمنظمات لا تعمل في فراغ.
المعضلة الحقيقية ليست في الانفتاح على العالم أو الاستفادة من الخبرات، بل في الخط الفاصل بين التعاون والسيطرة. حين تتحول المساعدة إلى نفوذ، والتدريب إلى توجيه، والدعم إلى اشتراط سياسي، فإننا نكون أمام تآكل تدريجي للسيادة.
الديمقراطية لا تُستورد جاهزة، ولا تُدار من الخارج، وإلا فقدت معناها. أي عملية انتخابية تفقد استقلالها الفعلي تصبح مجرد إجراء شكلي يضفي شرعية على موازين قوى صُنعت خارج الحدود.
ما يجري في أرمينيا ليس حدثاً معزولاً، بل جرس إنذار. العالم لم يعد يُدار فقط بالدبابات، بل بالشبكات، بالتمويل، وبإعادة تعريف المفاهيم نفسها. أخطر ما في هذه المرحلة أن التدخل يأتي مغلّفاً بلغة الحقوق والديمقراطية، ما يجعله أكثر قبولاً وأقل إثارة للمقاومة.
المواجهة هنا ليست برفض العالم، بل ببناء مناعة داخلية: مؤسسات قوية، وعي سياسي، شفافية حقيقية، واستقلال في القرار الوطني. من دون ذلك، ستبقى الانتخابات في كثير من الدول مجرد واجهة، بينما تُصاغ النتائج في أماكن أخرى.
وحين تفقد الشعوب قدرتها على التحكم بمصيرها، لا تعود المسألة ديمقراطية أو غير ديمقراطية، بل تصبح ببساطة: من يحكم فعلاً؟ ومن يقرّر؟

د.نبيلة عفيف غصن