من الجرح المفتوح إلى عقيدة الصمود: حين يتحول الألم إلى بوصلة تاريخ

د.نبيلة عفيف غصن

ليست التجربة الفلسطينية حدثاً عابراً في تاريخ هذه المنطقة، بل هي مرآة كاشفة لمسارٍ كامل من الأوهام السياسية والانكسارات المتراكمة. على مدى عقود، جرى تسويق التسويات بوصفها طريق الخلاص، وارتفعت شعارات “الواقعية” لتبرير التراجع خطوةً بعد خطوة، حتى تحوّل الحلم بالتحرر إلى إدارةٍ يومية لأزمةٍ مفتوحة. لم يكن الانحدار فجائياً، بل كان انزلاقاً تدريجياً، يبدأ بتنازل صغير وينتهي بإعادة تعريف كامل للحقوق والحدود والمعنى.
في قلب هذه التجربة، يتكشف الدرس الأخطر: حين يُستبدل ميزان القوة بميزان الأمنيات، تتحول السياسة إلى غطاءٍ للهزيمة لا إلى أداةٍ لتغيير الواقع. وما جرى لم يكن قدراً، بل نتيجة خيارات، ومساراً يمكن قراءته وفهمه وتجنّب تكراره. من هنا، تصبح فلسطين أكثر من قضية؛ تصبح بوصلة تحذير تاريخية لكل من يظن أن بإمكانه الوصول إلى السيادة عبر بواباتٍ لا تحرسها القوة، أو الحفاظ على الأرض بمنطق التفاوض المجرد.
حين يتحول “السلام” إلى أداة تفكيك
منذ مطلع التسعينيات، رُوّج لما سُمّي “عملية السلام” بوصفها الطريق الوحيد الممكن. قُدّمت المفاوضات كخيار عقلاني، وجرى تصوير كل رفض لها كأنه مغامرة غير محسوبة. لكن ما الذي حدث فعلياً؟
ما حدث هو أن الزمن نفسه تمّت مصادرته. تحولت المفاوضات إلى غطاء زمني مفتوح، سمح للكيان الصهيوني بإعادة تشكيل الجغرافيا على الأرض. لم يكن هناك “تجميد للصراع”، بل كان هناك تسارع في تثبيت الوقائع. الأرض التي كان يُفترض أن تكون موضوع تفاوض، أصبحت تُلتهم يومياً، بينما اللغة السياسية بقيت عالقة في دائرة الوعود.
من مئة ألف مستوطن إلى مئات الآلاف، من نقاط متناثرة إلى شبكة استعمارية متكاملة، من احتلال مباشر إلى احتلال مُقنّع باتفاقيات. هذه ليست نتيجة جانبية، بل هي النتيجة الطبيعية لمسارٍ مختلّ في جوهره.
لم يكن هناك “سلام”، بل كان هناك إدارة مُحكمة للهزيمة.
السيادة المؤجلة: من دولة الحلم إلى كانتونات الواقع
هذا النموذج لا يُحذّر منه الشاب الفلسطيني نظرياً، بل يقدّمه كواقع عاشه:
أنصاف الحلول لا تبني دولاً، بل تصنع كيانات هشّة، قابلة للابتزاز، ومفتوحة على التفكك.
الرسالة التي تتجاوز حدود فلسطين هي الأخطر. ما يُقال للبنان اليوم، بلهجات مختلفة، هو ذاته ما قيل للفلسطينيين بالأمس:
“كونوا واقعيين”،
“اقبلوا الممكن”،
“تجنبوا المواجهة”.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: أي “ممكن” هذا الذي يتآكل مع الوقت؟ وأي “واقعية” تلك التي تنتهي إلى خسارة تدريجية لكل عناصر القوة؟
لبنان، بحكم موقعه وتركيبته وتاريخه، ليس خارج دائرة الاستهداف. بل هو جزء من مشهد أوسع، يسعى فيه الكيان الصهيوني إلى فرض معادلات تفوق دائمة، ليس فقط عسكرياً، بل سياسياً واقتصادياً أيضاً.
الرهان على الخارج، أو على ضمانات دولية، لم يكن يوماً ضمانة حقيقية. التجربة الفلسطينية تقول بوضوح: ما لا يُحمى بإرادة داخلية وقوة فعلية، لا تحميه التواقيع ولا البيانات.
تفكيك الوهم: القوة ليست خياراً بل شرط بقاء
المشكلة لم تكن في “السلام” كمفهوم إنساني، بل في سوء تعريفه سياسياً. حين يُطرح السلام في ظل اختلال جذري في موازين القوى، فإنه يتحول إلى أداة لفرض شروط الأقوى، لا إلى مساحة عدالة.
التاريخ لا يُدار بالنوايا، بل بالقدرة. وهذه ليست دعوة إلى الحرب بقدر ما هي دعوة إلى فهم قواعد الصراع كما هي، لا كما يُراد لنا أن نراها.
صدى الصوت الفلسطيني المقاوم يعلن حقيقة بسيطة:
من لا يملك عناصر القوة، يُفرض عليه شكل “السلام” الذي يناسب خصمه.
من الوعي إلى النهضة: استعادة البوصلة
اللحظة التي نعيشها اليوم ليست لحظة خيار بين “حرب” و”سلام”، بل بين وعيٍ يُحصّن المستقبل، ووهمٍ يعيد إنتاج الهزيمة. النهضة تبدأ من إعادة تعريف المفاهيم: السيادة ليست شعاراً، بل ممارسة. والكرامة ليست خطاباً، بل نتيجة لمسار.
لا تُعاد كتابة الهزيمة باسم الواقعية
ليست القضية في رفض التفاوض كأداة، بل في رفض تحويله إلى بديل عن عناصر القوة. ليست المشكلة في البحث عن حلول، بل في القبول بحلول تُفرغ الأرض من مضمونها، والسيادة من معناها.
الهزيمة لا تأتي دفعة واحدة، بل تتسلل عبر تنازلات صغيرة تُبرَّر باسم العقلانية.
الأرض لا تُدار بالمفاوضات وحدها، والسيادة لا تُمنح… بل تُنتزع بإرادة تعرف ماذا تريد.
في لحظات التحول الكبرى، لا يُسأل التاريخ عمّا حدث فقط، بل عمّن تعلّم ومن كرّر الخطأ. وهنا يكمن التحدي:
إما أن تكون التجربة الفلسطينية درساً يُبنى عليه، أو جرحاً يُعاد فتحه في أماكن أخرى.
الأرض لا تحفظها النوايا، والحقوق لا يحميها الانتظار… وحدها الإرادة الواعية القادرة على تحويل الصمود إلى فعلٍ تاريخي تغيّر به المصائر.