مقدمة: دار الإفتاء والمفتي دريان… من صوت الضمير إلى صدى القرار
لم يعد ما جرى تفصيلاً عابراً في سجالٍ سياسي عادي، بل تحوّل إلى لحظة فاصلة تكشف عمق الخلل في العلاقة بين الدين والسياسة. لقد وُضِعت دار الإفتاء، بقيادة المفتي عبد اللطيف دريان، في قلب معادلة سياسية سيادية، عبر منح غطاء لخيار التفاوض المباشر مع الكيان الصهيوني، في سابقة تُعيد طرح السؤال الأخطر: من يحمي المجتمع عندما تتحول المرجعية الدينية نفسها إلى طرف سياسي؟
إن إدخال الدين في صلب القرار السياسي ليس تعبيراً عن قوة، بل عن خلل بنيوي يهدد المجتمع كله. فالدين، حين يُستخدم لتبرير السياسات، يفقد طهارته، والسياسة حين تتغطى بالدين تفقد قابليتها للمساءلة. ومن هنا، يصبح فصل الدين عن السياسة ضرورة وطنية لا خياراً فكرياً، لأن بقاء المرجعيات خارج الصراع هو الشرط الأول لبقائها مرجعيات.
بيان مفروض… أم إرادة مُصادَرة؟
ما جرى في آلية إصدار البيان يكشف أن المشكلة ليست فقط في الموقف، بل في طريقة إنتاجه. فحين يُفرض نصّ على مؤسسة يفترض أنها تقوم على التشاور، فإننا أمام خلل مزدوج: خلل في القرار وخلل في الدور.
وهنا تتأكد الحاجة إلى فصل واضح بين الدين والسياسة، لأن تسييس المرجعية يقتل التعدد داخلها. فعندما تتحول المؤسسة الدينية إلى منصة لتمرير خيارات سياسية، فإنها لا تعود تحتمل الاختلاف، بل تسعى إلى توحيد قسري للمواقف، ما يؤدي إلى مصادرة الإرادة الجماعية وتحويلها إلى قرار فوقي.
إن حماية المؤسسة تبدأ بمنع استخدامها، لا بتبرير ما يُفرض باسمها.
التفاوض: خيار سيادي لا يُشرعن دينياً
التفاوض المباشر مع العدو ليس مسألة تقنية، بل قرار سيادي استراتيجي يجب أن يُناقش في المجال السياسي المفتوح، لا أن يُمرّر عبر غطاء ديني. فحين يُعطى هذا القرار بعداً “شرعياً”، يتحول من خيار قابل للنقاش إلى ما يشبه الإلزام المعنوي، وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث.
إن الفصل بين الدين والسياسة هنا ليس موقفاً نظرياً، بل حماية للنقاش العام، لأن إبقاء القضايا السيادية ضمن إطارها السياسي يضمن بقاءها خاضعة للمساءلة والتغيير، بينما إدخالها في المجال الديني يجمّدها ويحصّنها من النقد.
من الحماية إلى الوصاية: انكسار في العلاقة مع المجتمع
حين تُستخدم لغة “الحماية” لتبرير فرض الخيارات، تتحول المرجعية من موقعها الطبيعي إلى موقع الوصاية. لكن المجتمع ليس بحاجة إلى وصيّ، بل إلى شركاء في الوعي والمسؤولية.
وهنا تظهر مجدداً ضرورة الفصل: فالدين، حين يبقى في مجاله، يوجّه القيم ويعزز الوعي، أما حين يدخل في السياسة، فإنه يتحول إلى أداة فرض، وتفقد المرجعية بعدها الأخلاقي.
إن منع تدخل رجال الدين في السياسة ليس استهدافاً للدين، بل حماية له من الانزلاق إلى صراعات تفقده مكانته.
الانقسام: النتيجة الحتمية لتسييس الدين
إن الخروج من هذا المأزق يتطلب إعادة الاعتبار للمجال العام كمساحة سياسية مدنية، يُشارك فيها الجميع كمواطنين، لا كأتباع طوائف. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا عبر تحييد الدين عن السياسة ومنع استخدامه كأداة تعبئة أو شرعنة.
خاتمة: فصلٌ ينقذ الدين… ويحمي الوطن
إن أخطر ما يواجهه لبنان اليوم ليس فقط قرارات خاطئة، بل انهيار الحدود بين ما هو ديني وما هو سياسي. وعندما تسقط هذه الحدود، يسقط معها التوازن، وتُفتح الأبواب أمام الفوضى والانقسام.
إن تدخل رجال الدين في السياسة، خصوصاً في القضايا السيادية الكبرى، لا يحمي الأوطان بل يعرّضها لمزيد من الاهتزاز، ويجعل المؤسسات الدينية عرضة للتأثيرات والضغوط، بما فيها تلك القادمة من الخارج. ولهذا، فإن فصل الدين عن السياسة ومنع تدخل رجال الدين في القرار السياسي ليس موقفاً معادياً للدين، بل هو الضمانة الوحيدة لبقائه نقياً، ولحماية المجتمع من استغلاله.
فإما أن يُستعاد هذا الفصل كخيار نهضوي حاسم، أو يُترك الباب مفتوحاً أمام انحدار لن يتوقف… حتى يفقد الجميع ما تبقّى من معنى الدولة والمجتمع.
د.نبيلة عفيف غصن
