تمهيد: شهادة من داخل السلطة لا من خارجها
ليست شهادة مها الخطيب، وزيرة السياحة والآثار الأردنية الأسبق، مجرد سردٍ إداريّ لمرحلةٍ مضت، ولا هي مذكّرات وزيرةٍ غادرت موقعها، بل هي وثيقة اتهام تكشف—من داخل المؤسسة نفسها—كيف يُصاغ “السلام” في منطقتنا. وحين تأتي هذه الشهادة من مسؤولة شغلت موقع القرار، فإنها تتحول إلى مفتاح لفهم ما يجري خلف الكواليس، حيث تُدار العلاقة مع الكيان الصهيوني بمنطق الاختلال لا الندية، وبحساباتٍ تتجاوز المصلحة الوطنية المباشرة.
أولاً: معاهدة غير متكافئة — حرية لطرف وقيدٌ على آخر
في النقطة الأولى من الشهادة، يظهر الخلل البنيوي بوضوح: دخولٌ ميسّر للإسرائيليين إلى الأردن، مقابل قيودٍ على الأردنيين في دخول فلسطين المحتلة. هذا ليس تفصيلاً إجرائياً، بل تعبير عن ميزان قوى غير متوازن.
فالمعاهدات التي تُبنى على عدم التكافؤ لا تنتج سلاماً، بل تُكرّس تبعية. ومن يُمنح حرية الحركة يمتلك قدرة أكبر على التأثير، بينما يتحول الطرف المقيد إلى متلقٍ لشروط الواقع لا صانعٍ له.
ثانياً: السياحة كغطاء… أم كأداة اختراق؟
حين تتحدث الخطيب عن محاولتها منع إدخال رموزٍ ونصوصٍ دينية تحمل مضامين عدائية، فإنها تكشف أن المسألة تتجاوز السياحة التقليدية.
السائح هنا—بحسب هذا الطرح—ليس مجرد زائر، بل حامل خطاب. وإذا صحّ أن بعض تلك النصوص تتضمن تحريضاً أو احتقاراً، فنحن أمام صراعٍ ثقافي–رمزي يتسلل عبر المعابر الحدودية، ويستهدف الوعي بقدر ما يستهدف المكان.
ثالثاً: الاقتصاد المختل — حين لا تعود السياحة منفعة متبادلة
رفع رسوم الدخول إلى البتراء لم يكن قراراً مالياً فقط، بل رسالة سياسية.
فحين يتحول تدفق السياح إلى عبءٍ اقتصادي لا يترك قيمة مضافة، تفقد السياحة معناها كقطاعٍ إنتاجي. الشهادة هنا تطرح سؤالاً جوهرياً: هل كل انفتاح اقتصادي هو بالضرورة مكسب؟ أم أن بعضه يتحول إلى قناة استنزاف صامت؟
رابعاً: كلفة الموقف — عندما يُعاقَب من يضع حدوداً
ذروة الشهادة تكمن في الإشارة إلى أن الضغوط السياسية أدت في النهاية إلى خروج الخطيب من الحكومة، رغم تحقيق إنجازات اقتصادية.
هذه النقطة تعكس معادلة قاسية: في بعض الملفات، لا يُقاس النجاح بالنتائج، بل بمدى التماهي مع توازنات مفروضة. ومن يحاول تعديل هذه المعادلة قد يجد نفسه خارجها سريعاً.
خامساً: معركة على التاريخ — من يكتب الماضي يملك المستقبل
أخطر ما ورد في الشهادة هو الحديث عن محاولات دفن قطع تحمل كتابات عبرية لتبدو كآثار قديمة.
إذا كانت هذه الوقائع دقيقة، فنحن أمام صراعٍ من نوعٍ مختلف: صراع على “الدليل”. فالتاريخ هنا لا يُروى فقط، بل يُصنع مادياً ليُستخدم لاحقاً كحجة. وهذه معركة طويلة الأمد، تتجاوز السياسة إلى علم الآثار والذاكرة الجماعية.
سادساً: التوسع كفكرة — حين يتحول الدين إلى أداة سياسية
توصيف الفكر الصهيوني كفكر توسعي—وفق ما تنقله الشهادة—يفتح باب النقاش حول العلاقة بين الدين والسياسة.
حين يُستخدم النص الديني لتبرير التوسع، تتحول الجغرافيا إلى مسألة عقائدية، ويصبح التراجع مستحيلاً لأنه يُفسَّر كتنازل عن “حق مقدّس”. وهنا يكمن أحد أخطر أبعاد الصراع.
خاتمة: ما بعد الشهادة — هل نعيد قراءة مفهوم “السلام”؟
ما تكشفه هذه الشهادة ليس حادثة معزولة، بل نموذجاً لعلاقة معقدة لم تُحسم تناقضاتها. “السلام” كما يظهر هنا لم يُنهِ الصراع، بل نقله إلى مستوياتٍ أخرى: قانونية، ثقافية، اقتصادية، وحتى أثرية.
السؤال لم يعد: هل هناك سلام أم لا؟
بل: أي سلام هذا الذي يقوم على اختلالٍ دائم؟
إعادة التفكير في هذه التجارب لم تعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة. لأن الأمم التي لا تراجع شروط اتفاقاتها، تجد نفسها—مع الوقت—تعيش داخلها لا خارجها، وتدفع أثمانها دون أن تملك القدرة على تعديلها.
