ما العقدة التي قد تُطيح بأي مسار للمفاوضات؟
حسن علاء الدين
جرت العادة على انتهاء الحروب باتفاق سياسي بين أطراف النزاع يتضمّن تنازلات متبادلة في حال عدم قدرة أي طرف على تحقيق نصر بائن حاسم في أرض المعركة. وهذا ينطبق بطبيعة الحال على الصراع الدائر في غرب آسيا الذي أظهر عدم قدرة الولايات المتحدة و”إسر/ئيل” بكل ما تمتلكان من قدرات عسكرية واستخبارية وتكنولوجية هائلة على تحقيق الحسم الميداني الذي يسمح لهما بالحصول على صكّ الاستسلام من إيران وحلفائها في المنطقة.
العُقد الصعبة تُحلّ أحيانا
يعتقد البعض أن العقدة الأصعب في المفاوضات تكمن في برنامج إيران النووي أو في حل معضلة مضيق هرمز التي أمسكت بخناق كثير من الدول وأظهرت هشاشة النظام العالمي. ومع كون هذين الملفين في غاية التعقيد، إلا إن للدبلوماسية والتخريجات الإعلامية للاتفاقيات السياسية قدرة مدهشة أحيانا على ردم الكثير من الفجوات وإظهار مختلف الأطراف في مشهد المنتصر الفارض لشروطه، وخاصّة في حال انسداد الأفق العسكري للمعركة.
ففي الملف النووي مثلا، قد يكون تعليق التخصيب لمدة معينة حلا وسطا بين رفض التنازل عن التخصيب الذي تشترطه إيران ورفض التخصيب الذي تشترطه الولايات المتحدة. ومن الممكن أيضا الاتفاق على إقامة منطقة تخصيب مشتركة بين إيران وجارتها باكستان النووية تحت رقابة دولية (يمكن فهم دور باكستان في المفاوضات جزئيا من هذا المنطلق). وفيما يخصّ اليورانيوم المخصّب، قد يُتفق على تخفيض مستوى تخصيبه أو نقل جزء منه إلى روسيا مثلا أو غير ذلك.
وفي مسألة مضيق هرمز، قد يصار إلى الإقرار بأحقّية الدول المشاطئة للمضيق في إدارته وفرض رسوم لقاء خدمات تقدّمها كالحماية والتأمين مثلا. وقد تُعدّ عائدات إدارة المضيق نوعا من أنواع التعويضات التي تطلبها إيران من الدول التي شنّت عليها حربا غير شرعية. هذا المنطق يسري على معظم نقاط الخلاف، حيث يمكن إيجاد أرضية مشتركة تحفظ ماء وجه مختلف الأطراف. وما الأمثلة المذكورة أعلاه إلا مصاديق لهذا المنطق بغضّ النظر عن مدى إمكانية قبول الأطراف بالحلول المذكورة.
جنوب لبنان: حيث لا تنفع الحِيل
ولكن العقدة الحقيقية التي لا سبيل لحلها في المفاوضات حتى الآن هي جنوب لبنان الذي يظنه البعض ملفا ثانويا هامشيا يُحلّ إذا ما تمّ الاتفاق على باقي النقاط. إلا إنه قد يكون السبب في إفشال مسار المفاوضات برمّته لكونه المؤشّر الأهم في تحديد الرابح والخاسر، ولارتباطه بمصير الأطراف المتنازعة الوجودي.
قد يحاجج البعض قائلا إن ترامب قادر -في حال الوصول إلى اتفاق- إلى نشر منشور كعادته عند الساعة الثالثة فجرا يفرض فيه وقف إطلاق النار على نتنياهو طالبا منه إعلان الانتصار ووقف الهجمات. وقد ينصحه في سبيل إقناع مستوطنيه بحقيقة النصر بأن يحتجّ بكون وقف النار مدخلا للاتفاق مع السلطة اللبنانية للقضاء على عدوّهما المشترك المتمثل بالمقاومة.
وهذا صحيح في المبدأ، إلا إن المشكلة تكمن في الانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة. ولهذا قلنا بكون العقدة في جنوب لبنان، أي الأرض المحتلة، لا في وقف النار في لبنان. فالانسحاب لم يعد تنازلا عن مكتسبات استراتيجية أو تغييرا في الخطط وإعادة للحسابات، بل بات يشكّل تهديدا وجوديا ل”إسر/ئيل”، خاصة بعد أحداث السابع من أكتوبر.
معركة حدود أم معركة وجود؟
لقد قامت الحكومة “الإسر/ئيلية” بتقديم صورة نصر لمستوطني الشمال بعد حرب 2024 مستعينة بالضربات المؤلمة التي سددتها للمقاومة وبسقوط الحكومة السورية السابقة، الصورة التي سمحت بتأمين مستوطني الشمال نسبيا وإيهامهم بالقضاء على أي تهديد تجاههم لسنوات طويلة. فكانت طائرات “إسر/ئيل” تقصف في الضاحية والبقاع والجنوب متى شاءت والمقاومة لا “تجرؤ” على الرد بسبب “ضعفها وقلة ذات يدها” بحسب الرواية “الإسر/ئيلية”.
سرعان ما سقطت هذه السردية وتهشّمت هذه الصورة في جولة 2026 المستمرّة، فالمقاومة عادت -وبأسوأ تقدير- أفضل مما كانت عليه في 2024 وأقوى وأقدر. ورأى المستوطنون تهافت سردية حكومتهم، وبان لهم كذب ادعاءاتها أو سوء تقديراتها. ولن ينفع اليوم معهم القول بالقضاء على التهديد وسحق المقاومة، فهم يشاهدون كيف تقوم المقاومة بفرض المعادلات والرد على كل اعتداء بعكس ما كان الواقع قبل هذه الجولة.
إن هذا الواقع يجعل الانسحاب خطرا على مستقبل “إسر/ئيل” ككيان، فلو كان الأمر متعلقا بمستقبل نتنياهو والحكومة فقط، لكان الأمر أسهل بكثير، ولكان التنازل ممكنا. ولكن الانسحاب يُنظر إليه الآن في “المجتمع الإسر/ئيلي” كتخلّ عن سكان الشمال، وكتساكن مع المقاومة التي وُعدوا بسحقها، وكنهاية وهم الأمن إلى أمد بعيد. ومن يتخلى الآن عن أمن الشمال بسبب الواقع المفروض قد يتخلى عن أمن الجنوب أو الوسط في معركة لاحقة تفرض واقعا جديدا. وهذا مما يصيب أساس بنية الكيان في الصميم، الأساس المتمثل بالأمن المطلق و”إسر/ئيل” المقتدرة.
وعلى المقلب الآخر، لا تستطيع المقاومة التساكن مع وجود احتلال على أرضها، فوجود الاحتلال يحتّم وجود المقاومة. وإذا تخلّت الأخيرة -من باب فرض المحال- عن واجب الدفاع والتحرير، سقط مبرّر وجودها وانقلبت عليها بيئتها قبل خصومها وأعدائها. فالبيئة التي عضّت على جراحها على مدى 15 شهرا إنما صبرت في سبيل إعداد العدة وإسقاط الذرائع وإفساح المجال، لا في سبيل التخلي عن الحقوق وشرعنة الاحتلال.
كما إن إبرام أي اتفاق بين إيران والولايات المتحدة مع بقاء الاحتلال في جنوب لبنان والتساكن معه أو شرعنته يُعدّ رسالة انتحار إيرانية مهما تضمّن العرض من مكاسب لإيران. وذلك لأنه سيصيب منظومة القيم التي قامت عليها إيران في الصميم. فالجمهورية الإسلامية والجبهة التي ساهمت في تأسيسها ما قامتا إلا على منظومة أخلاقية دينية تحمل شعارات لا يؤدّي التخلي عنها إلا إلى سقوط المشروع.
بناء عليه، تشكّل الأرض اللبنانية المحتلة معضلة وجودية لأطراف النزاع لا يمكن التنازل فيها. وقد يفجّر هذا الاستعصاء أي مسار للمفاوضات، حيث تبقى الكلفة الباهظة لجولة عسكرية جديدة أقل بكثير من كلفة التنازل في هذا الملف. وهذا لا يعني بالضرورة حتمية الانفجار الكبير، مع كونه احتمالا قائما، بل يمكن العودة إلى جولات عسكرية محدودة تتخللها جولات تفاوضية سعيا لفرض واقع جديد على الأرض، ويمكن أيضا الاستمرار في الواقع الحالي مع تصعيد منضبط إلى أن يحدث انفراج في مكان ما أو يُخرج أحدهم أرنبا من قبّعته.
