تنبع الإشكالية الجوهرية في اتفاقية كامب ديفيد وما يُسمى بعيد تحرير سيناء من كونها اتفاقية ذات طابع كياني، لا قومي، أي أنها صيغت لتخدم نخبة حاكمة في كيان مصري منفصل عن أمته، منزوعٍ من سياق الصراع العربي التحرري الشامل. فهي اتفاقية لدويلة انكفأت على حدودها، ولم تعد ترى نفسها جزءاً من مشروع وحدة أو تحرير. والاحتفال بهذا العيد يمثل انتصاراً لفكرة الكيانية المصرية الضيقة مقابل الفكرة الوحدوية الشاملة التي ترى أن الصراع مع المشروع الـ//صH-يوني ليس خلافاً حدودياً أو تفاوضياً، بل معركة وجودية تتطلب حشد الجبهة العربية والإفريقية، وتقوية الاقتصاد والسيادة وبناء جيش موحد قادر على تحرير الأرض، لا تسليمها تحت شروط مدجّنة.
منذ عام 1982 بالذات، يحتفي الإعلام المصري بما يُسمى “عيد تحرير سيناء”، وهو اليوم الذي انسحب فيه العدو إياه من سيناء بموجب اتفاقية كامب ديفيد. إلا أن الرواية الرسمية لهذا اليوم تُخفي حقيقة مرة: مصر لم تتحرر فعلاً، بل وقّعت على أكبر تنازل استراتيجي في تاريخها الحديث، وأخرجت نفسها من معادلة السيادة الوطنية، ومن مركز القيادة في إفريقيا والعالم العربي. الحصيلة بعد أربعة عقود ليست سيادة، بل خضوع مشروط، وخسائر متراكمة على كل المستويات: الأمنية، الاقتصادية، الثقافية، والسياسية.
▪️أولاً: سيادة منقوصة على أرض مصرية.
سيناء لا تزال، وفق ترتيبات كامب ديفيد، مقسمة إلى ثلاث مناطق أمنية تُقيّد وجود الجيش المصري، خصوصاً في “المنطقة ج” المحاذية لإسرائيل، حيث لا يُسمح إلا بوجود شرطة مدنية، وتخضع المنطقة لمراقبة قوات متعددة الجنسيات. هذا الواقع جعل من سيناء بيئة رخوة لانتشار الجماعات المسلحة، التي أودت بحياة أكثر من 1000 جندي وضابط بين 2013 و2020، وكبّدت الدولة أكثر من 45 مليار جنيه خسائر اقتصادية مباشرة. ما زالت الدولة المصرية غير قادرة على نشر قواتها بحرية فوق أراضيها في شبه جزيرة سيناء، وهو ما يجعل سيادتها منقوصة عملياً.
▪️ثانياً: تراجع اقتصادي حاد رغم “السلام”.
تلقّت مصر مساعدات سنوية من الولايات المتحدة كمكافأة لها على التخلي عن دورها الاستراتيجي بمعدل 1.3 مليار دولار عسكرياً و250 مليون دولار اقتصادياً، لكنها لم تستثمر لبناء قاعدة إنتاج حقيقية. انخفضت مساهمة الصناعة في الناتج المحلي من 22% عام 1975 إلى أقل من 16% في 2020. وتراجعت مصر من كونها دولة ذات قاعدة تنموية طموحة أيام المواجهة الناصرية إلى واحدة من أكثر الدول اعتماداً على القروض والمساعدات.
▪️ثالثاً: المقارنة مع دول رفضت الاستسلام.
في المقابل، ورغم الحصار والعقوبات الغربية، طورت إيران مثلاً صناعاتها الوطنية وأنتجت أكثر من 90% من أدويتها محلياً، إلى جانب صادرات في مجال السيارات والكهرباء. النموذج الإيراني، رغم العقوبات، استطاع أن يحقق قدراً من الاكتفاء الذاتي والاستقلال الاقتصادي، بينما مصر، التي اختارت السلام، أصبحت مرتهنة للمؤسسات المالية الدولية، وراكعة أمام الإرادة الخليجية، تستجدي الهبات والعطاءات والقروض.
إيران مثال واضح على دولة خاضت المواجهة ودفعت كلفة سياسية، لكنها ربحت استقلالها في القرار والاقتصاد. بينما مصر، وقعت على اتفاقية سلام، لكنها دخلت في دوامة الاستدانة والاعتماد الكامل على الخارج. الصناعة الإيرانية نمت تحت الحصار، بينما الصناعة المصرية انهارت تحت “السلام”.
▪️رابعاً: تقييد العقيدة العسكرية وتحويل الجيش إلى وظيفة داخلية.
ما بعد كامب ديفيد، لم يعد الجيش المصري مهيأً لمواجهة أي تهديد إقليمي حقيقي. العقيدة العسكرية حُصرت في مواجهة الإرهاب داخل حدود الدولة، خصوصاً في سيناء. بينما تُقيّد الاتفاقية وجود الجيش في مناطق استراتيجية، تُستخدم الصفقات العسكرية كمصدر نفوذ خارجي للضغط على القرار السيادي. صحيح إن الجيش المصري مازال قوياً ولكنه “منزوع الدسم القومي” لأنه بلا انخراط في بناء قاعدة دفاعية شاملة ذات بعد عربي وإفريقي يحمي مصر.
▪️خامساً: تفكيك المشروع الصناعي والتنمية الوطنية.
الاتفاقية جاءت في سياق دولي دفع مصر إلى التخلي عن اقتصاد التخطيط لصالح السوق المفتوحة. النتيجة كانت خصخصة واسعة أضعفت الإنتاج المحلي وأغلقت مئات المصانع الوطنية. المشاريع القومية الكبرى التي أسسها عبد الناصر كالصناعات الثقيلة تم تفكيكها، مما أدى إلى تآكل السيادة الإنتاجية، في المقابل طور العدو اقتصاده الإنتاجي والمالي بشكل يهدد أي قدرة مصرية (معزولة قومياً) على المواجهة مستقللاً.
▪️سادساً: انهيار التعليم والوعي القومي.
في أعقاب كامب ديڤيد أُفرغ التعليم المصري من محتواه القومي، وتحولت المناهج إلى مجرد أدوات لتلقين تقني بلا روح وطنية حقيقية. غابت عن الكتب الدراسية معاني التحرير، وتم إفراغ مفهوم العدو من مضمونه، مما خلق أجيالاً لا تمتلك ذاكرة صراعية أو شعوراً بالمسؤولية تجاه فلسطين أو العمق العربي أو فهم لأدوات البناء والدفاع والمواجهة.
▪️سابعاً: تبعية القرار السياسي والسيادي
بعد الاتفاقية، أصبحت قرارات مصر الكبرى مرتبطة مباشرة بالموقف الأمريكي والإسرائيلي. المواقف من العدوان على غزة، أو من الملف النووي الإيراني، وحتى من أزمة سد النهضة، يتم ضبطها وفق اعتبارات التمويل والدعم الدولي. القرار المصري فقد استقلاله منذ توقيع الاتفاق، وتحرير سيناء هو احتلال للقرار السيادي المصري.
▪️ثامناً: خسارة العمق العربي والإفريقي
مصر انسحبت من مواقعها التاريخية في القارة الإفريقية، وتركت فراغاً ملأته قوى إقليمية أخرى. لم تعد القاهرة لاعباً أساسياً في الملفات الإفريقية، بل أصبحت تتعامل مع القارة من موقع التفاوض الضعيف. أزمة سد النهضة أبرز دليل على تراجع النفوذ المصري في محيطه الحيوي. قبل كامب ديڤيد وتحرير سيناء كانت مصر آمنة بسبب عمقها الإفريقي وقيادتها القارية الحاسمة.
▪️تاسعاً: تآكل القوة الناعمة والثقافية
الإنتاج الثقافي المصري فقد ريادته مع تراجع السياسات الثقافية القومية وتفكيك مؤسسات الدولة الداعمة للفنون. تحوّل الإعلام إلى أداة ترفيهية بدل أن يكون صوتاً للوعي الوطني. لم تعد مصر قادرة على صياغة المزاج العربي كما كانت في منتصف القرن العشرين. المحيط العربي لمصر صار الآن يمشي وراء المؤسسات الإماراتية والقطرية والسعودية ذات الأجندات الضيقة والمضرة بمصر في أغلب الأحيان.
الحصاد: انهيار شامل لا نصر وطني
الدَّين الخارجي تجاوز 165 مليار دولار
التضخم قفز إلى أكثر من 30% في 2023
الجنيه المصري الذي فقد قيمته تماماً وصار درساً عالمياً في الانهيار.
أكثر من 32% من السكان تحت خط الفقر.
ومن الطريف والموجع أن أغلب السياسيين والباحثين الكبار في الغرب نفسه أشاروا إلى الأثر السلبي لاتفاقية كامب ديفيد ليس فقط على فلسطين بل على مصر والمنطقة بأكملها. ومنهم الرئيس الأمريكي جيمي كارتر نفسه ، وروبرت فيسك، ونورمان فينكلشتاين، وجون بيلجر، وفيليس بينيس، وآفي شلايم، ونعوم تشومسكي، وسيث أنزيكا – (أنظر أول تعليق).
كتاباتهم المعمقة تكشف أن ما يُقدم كـ”سلام تاريخي” و “يوم تحرير” هو في نظر كثيرين اتفاق على حساب العدالة، والسيادة، والمصلحة القومية، وأن مصر دفعت، ولا تزال تدفع، ثمناً باهظاً مقابل سلام هش وفاقد السيادة العسكرية والاقتصادية والثقافية.
إذن، ما يُسمى بـ”عيد تحرير سيناء” ليس سوى تثبيت ليوم الهزيمة الكبرى، يوم تم فيه إخراج مصر من معادلة القوة، وتحويلها إلى دولة تؤدي دوراً وظيفياً ضمن ترتيبات أمن إقليمي يخدم العدو إياه بالدرجة الأولى. لم يكن يوماً للسيادة، بل للتخلي عن الإرادة. لم يكن تحريراً، بل انسحاباً مشروطاً من طرف واحد، مُقابل صمت طويل وثمن باهظ يدفعه المصريون كل يوم من أمنهم، وكرامتهم، وأحلامهم.
ومع ذلك، لا يزال الأمل في رأيي قائماً. مصر بتاريخها، وثقلها الحضاري، وموقعها الجغرافي، تملك كل المقومات لتستعيد دورها الطبيعي كقائدة للعالم العربي والقرى الإفريقية. لا يمكن لمشروع تحرري أو تنموي أو نهضوي في هذه المنطقة العربية أن يكتمل بدون انخراط مصري شامل، مستقل، وذو رؤية سيادية حقيقية. نحن، كعرب وأفارقة، نعرف أن نهضتنا مرهونة بعودة مصر إلى دورها التاريخي، لا كمجرد دولة حدودية، بل كقلب نابض للعروبة، ورافعة كبرى للتحرر والتنمية في الجنوب العالمي. / د, موسى ابراهيم،
- الرئيس الأمريكي جيمي كارتر (Jimmy Carter): رغم دوره القيادي في توقيع الاتفاقية أصلاً، أصبح لاحقًا من أبرز منتقدي إسرائيل، وفي كتابه Palestine: Peace Not Apartheid أكد أن الاتفاقية فشلت في فرض التزامات على إسرائيل بوقف الاستيطان، مما جعلها خطوة ناقصة وأحادية، وإن مصر ربحت أقل ما يمكن بعد أن قدمت أكثر ما يمكن.
- روبرت فيسك (Robert Fisk): أحد أشهر الصحفيين في العالم، وصف الاتفاقية بأنها الصفقة التي باع فيها السادات القضية الفلسطينية مقابل اعتراف دولي وهدنة مع إسرائيل، معتبراً أن سيناء كانت الثمن الصغير جداً الذي أُخرجت به مصر من معركة تحرير فلسطين، ومعركة بناء نفسها كقوة إقليمية.
– نورمان فينكلشتاين (Norman Finkelstein): الكاتب اليهودي والأكاديمي المعروف، قال إن كامب ديفيد شكّلت “مرحلة تأسيس التطبيع مقابل لا شيء”، وأنها عمقت التباعد العربي وأخرجت مصر من معادلة الضغط على إسرائيل ومن دورها القيادي.
جون بيلجر (John Pilger): الصحفي الشهير، وصف كامب ديفيد بأنها صفقة أمريكية فرضت على مصر كي تكون حجر الزاوية في أمن إسرائيل الإقليمي دون أن تستفيد مصر نفسها من الصفقة.
- فيليس بينيس (Phyllis Bennis): السياسية اليهودية الأمريكية، اعتبرت الاتفاقية أداة لعزل مصر وفصلها عن محيطها العربي، واستبدال الصراع التحرري بعملية سياسية خالية من العدالة.
- آفي شلايم (Avi Shlaim): المؤرخ الإسرائيلي الأشهر، قال إن الاتفاقية سمحت لإسرائيل بتثبيت تفوقها العسكري والسياسي في المنطقة، عبر تحييد الخطر المصري، وخلق شرق أوسط جديد تقوم فيه إسرائيل بدور الهيمنة دون منازع.، وإن مصر هي الآن ضمن “المحيط الأمني” لإسرائيل.
- إدوارد سعيد (Edward Said): اعتبر في كتابه “مسألة فلسطين” (1979) أن الاتفاقية مثلت خيانة سياسية للفلسطينيين، وكتب: “تمت إزالة فلسطين من النقاش السياسي لصالح صفقة ثنائية من شأنها أن تُشَرعن الاحتلال وتُخرج مصر من معادلة الصراع”. وتوقع أن تصير مصر كياناً قزماً ومعزولاً.
- نعوم تشومسكي (Noam Chomsky): كتب أن اتفاقية كامب ديفيد أطلقت يد إسرائيل في إعادة تشكيل الضفة الغربية، من خلال تقطيع أوصالها وتحويلها إلى كانتونات لا يمكن أن تشكل دولة قابلة للحياة، مضيفًا: “كان الهدف هو فرض تسوية من دون الفلسطينيين، على حساب الفلسطينيين”. ووضح أن مصر سلمت نفسها للهيمنة الاقتصادية الغربية وخسرت سيادتها المالية بالقروض، وصارت جزء من منظومة التبعية الأمريكية.
- سيث أنزيكا (Seth Anziska): في كتابه Preventing Palestine، بيّن أن كامب ديفيد لم تمنح الفلسطينيين أي آلية حقيقية للسيادة، بل خلقت نموذجاً من الحكم الذاتي الإداري كبديل عن الدولة. واعتبر الاتفاق خطوة منهجية نحو تعطيل إمكانية قيام دولة فلسطينية. بينما أكد أن مصر حققت انتصارات دبلوماسية هزيلة قدمت مقابلها كل شي.
هذه الاستشهادات المتفرقة لفاعلين سياسين يعملون في الغرب تُظهر أن ما يُقدم كـ”سلام تاريخي” و “يوم تحرير” هو في نظر كثيرين اتفاق على حساب العدالة، والسيادة، والمصلحة القومية، وأن مصر دفعت، ولا تزال تدفع، ثمناً باهظاً مقابل سلام هش وفاقد السيادة العسكرية والاقتصادية والثقافية./موسى ابراهيم / ملحق للمقال
