في الوقت الذي يحاول فيه جيش الاحتلال الإسرائيلي ترسيخ صورة “النصر العسكري” عبر الإعلان عن إنشاء منطقة عازلة وشريط أمني موسع في جنوب لبنان، تأتي الوقائع الميدانية واعترافات المحللين العسكريين الإسرائيليين لترسم مشهداً مغايراً تماماً؛ فخلف ستار الأرقام والخطط الهندسية التي تهدف إلى عزل القرى الحدودية وتدمير بنيتها، تبرز معضلة “الاستنزاف المستمر” التي لم تنجح آلة الحرب في إخمادها.

يواجه الخطاب الرسمي داخل الكيان اليوم تحدياً وجودياً أمام حقيقة جغرافية وعسكرية صادمة؛ وهي أن حزب الله لا يزال قادراً على إدارة معركته بكفاءة عالية، متجاوزاً حدود “السيطرة” المزعومة، وما اعتراف الأوساط الأمنية الإسرائيلية بأن 50% من الهجمات الصاروخية تنطلق من شمال نهر الليطاني إلا دليل على فشل استراتيجية “فصل الساحات” وعجز الطبقات الدفاعية الأربع عن تحييد التهديد.

واعتبر مراسل الشؤون العسكرية والأمنية في صحيفة “مكور ريشون” يعكوب لابين، أن “الجيش الإسرائيلي تمكن سريعًا من تحديد مواقع عناصر حزب الله المسلحين في جنوب لبنان، في الوقت الذي يتشكل فيه الشريط الأمني الإسرائيلي الجديد والموسع، ويفرض الجيش ما يصفه بخط دفاع أمامي يمتد 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، لتحييد التهديدات المباشرة للمجتمعات الشمالية”.

وأضاف لابين في مقال له أن “متحدثا باسم الجيش الإسرائيلي أعلن أن الفرقتين 98 و36 العاملتين داخل القطاع الأمني قامتا برصد وتحييد عدة تهديدات في حادثتين شاركت فيهما قوات المظليين في بنت جبيل وجولاني، وبعد وقت قصير من الرصد، وفي عملية إغلاق سريعة للدائرة، شنّ سلاح الجو، بتوجيه من القوات البرية، هجومًا على المسلحين، فيما يواصل الجيش الإسرائيلي العمل على إخلاء المنطقة الخاضعة لسيطرته، وإزالة أي تهديد للإسرائيليين، وقواته”.

وأكد أن “مصدرا أمنيا كشف تفاصيل عن الواقع العملياتي على الأرض منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 16 أبريل/ نيسان، قائلا إنه بموجب هذه التفاهمات، فما زلنا في وضع دفاعي في جنوب لبنان، رغم أننا أوقفنا العمليات البرية، ونشر جيش الاحتلال خريطة لخط الدفاع الأمامي الجديد، كي يتضح الأمر للشعب اللبناني ووسائل الإعلام وكل من يهتم بمواقعنا، وجنوب هذا الخط، يواصل الجنود تفكيك بنية حزب الله التحتية، وأنشطته، حيث تقع هذه المناطق قرب المستوطنات ومناطق عمليات الجيش، وتشكل تهديدًا”.

وأوضح أنه “رغم وقف إطلاق النار، فلا تزال المنطقة ساحة قتال نشطة بسبب استمرار وجود عناصر حزب الله وبنيته التحتية، بما فيها داخل المنطقة الأمنية، وبموجب اتفاق وقف إطلاق النار، يحق لجيش الاحتلال اتخاذ التدابير اللازمة ضد هذه التهديدات، مؤكدًا أن القوات تعمل وفقًا للتوجيهات للتعامل مع التهديدات المباشرة”.

وأشار أن “الجيش الإسرائيلي يهدف لمنع استئناف تهديدات التسلل، وتهديدات الصواريخ المضادة للدبابات التي تستهدف المستوطنات الشمالية، وقدرات حزب الله الصاروخية، لأنه قبل دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، أصبح لبنان مسرح الحرب الرئيسي، بعد أن توصلت الولايات المتحدة وإيران لاتفاق في 8 أبريل/نيسان، ونفّذ الجيش عملية برية واسعة النطاق في جنوب لبنان، مستخدمًا خمس فرق عسكرية لتفكيك البنية التحتية العسكرية لحزب الله بشكل منهجي، وإنشاء منطقة عازلة طويلة الأمد من أربع طبقات”.

ونقل عن وزير الحرب يسرائيل كاتس، أن “النية تتجه نحو إنشاء واقع أمني جديد، قائم على فصل الساحات بين إيران ولبنان، بما يسمح لنا بالتحرك بقوة ضد حزب الله وفقًا لخطة منظمة قائمة على أربعة خطوط، مُفصّلاّ ما أسماها “طبقات نطاق الدفاع”، زاعما أن الخط الأول يقع مباشرة على الحدود، ويتضمن عمليات هندسية واسعة النطاق، موضحا أن هذا يشمل تدمير المنازل في القرى اللبنانية المتاخمة، أما الخط الثاني، فيشمل نقاط دفاعية داخل لبنان، تم توسيعها من 5 إلى 15 نقطة”.

وأضاف أن “الطبقة الثالثة تتمثل بتحييد التهديدات النارية المباشرة، الصواريخ المضادة للدبابات، واصفا إياها بأنها خط مضاد للدبابات تم الاستيلاء عليه عبر مناورة برية، ونعمل الآن على توسيعه ليشمل نقاطًا إضافية، حيث يقع الحد الأخير على نهر الليطاني، وأكد كاتس أن هذا خط الليطاني الذي سيسيطر عليه جيش الاحتلال كجزء من سيطرته على منطقة الليطاني، وسيمنع تسلل المزيد من المسلحين، وعودة السكان للجنوب”.

وأوضح أنه “ضمن هذه المنطقة العازلة، يُحاصر جيش الاحتلال الإسرائيلي مدينة بنت جبيل، وهي مدينة كانت تُشكّل رمزًا رئيسيًا ومركزًا عملياتيًا لحزب الله، ووفقًا لتقييمات جيش الاحتلال، فقد خطّط حزب الله لشن غارة عبر الحدود من بنت جبيل إلى فلسطين المحتلة، وداخل بنت جبيل ذاتها، استخدم الحزب بشكل منهجي قواعد عسكرية مُحصّنة، ورصد الجنود عددًا من مقاتليه الذين كانوا يُجرون عمليات استطلاع، ويُطلقون النار عليهم، وقاموا بتحييد التهديد”.

ونقل عن “مصدر أمني إسرائيلي أن 8500 صاروخ أطلقه الحزب على أهداف إسرائيلية بين 2 مارس/آذار، تاريخ دخوله الحرب، و16 أبريل/نيسان، تاريخ وقف إطلاق النار، وتشمل هذه الصواريخ طائرات مسيرة وصواريخ جو-جو، وكان الهدف من إطلاق النار عمداً إحداث خسائر بشرية فادحة”.

وتتزامن هذه التطورات الميدانية مع كشف الاحتلال لتزايد إطلاق الصواريخ من لبنان، ففيما سقطت ثلث هذه الصواريخ على المستوطنات، فقد استهدف الثلثان الآخران الجنود، مما يكشف عن مدى اندماج حزب الله في الأراضي اللبنانية، وأن نحو 50% من هذه الهجمات انطلقت من شمال نهر الليطاني، و50% من جنوبه، بما فيها مناطق مثل الضاحية، وأن أكثر من 4000 صاروخ أُطلقت من جنوب الليطاني.

ترجمة شبكة قدس الإخبارية