د. نبيلة عفيف غصن

لحظة تتجاوز الزمن وتؤسس لمرحلةليست كل الأحداث تُقاس بحجمها الميداني، ولا كل العمليات تُختصر بنتائجها المباشرة. هناك لحظات نادرة، تشبه الشقوق في جدار التاريخ، تسمح لوعيٍ جديد أن يتسلل، وأن يعيد تشكيل معنى الصراع برمّته. في التاسع من نيسان 1985، لم يكن الجنوب اللبناني مجرد جبهة مفتوحة، بل كان مخاضًا عميقًا لولادة مرحلة مختلفة، عنوانها: انتقال الإنسان من موقع الضحية إلى موقع الفعل.في تلك اللحظة، لم تكن سناء محيدلي مجرد اسم أو حدث، بل كانت تعبيرًا مكثفًا عن تحوّل جذري في بنية المواجهة. تحوّل لا يمكن فهمه بلغة الأرقام أو البيانات العسكرية، بل بلغة الإرادة، والوعي، والقدرة على قلب المعادلات.

من هنا تبدأ الحكاية… لا كذكرى، بل كمدخل لفهم كيف تُصنع التحولات الكبرى.

أولًا: الجنوب تحت الاحتلال… بيئة تصنع الانفجار

لفهم ما جرى، لا بد من العودة إلى السياق. الجنوب اللبناني في تلك المرحلة لم يكن مجرد أرض محتلة، بل كان فضاءً مشحونًا بالتناقضات: قمع يومي، حضور عسكري ثقيل، ومحاولات دائمة لكسر إرادة الناس وإعادة تشكيل وعيهم بما يخدم بقاء الاحتلال.لكن ما يغفله المحتل دائمًا هو أن الضغط لا يؤدي بالضرورة إلى الانكسار، بل قد يولّد العكس تمامًا: الانفجار. فالبيئات التي تعيش تحت وطأة القهر لا تبقى ساكنة إلى الأبد، بل تتحول تدريجيًا إلى خزّان غضب، وإلى أرض خصبة لنشوء نماذج مقاومة غير تقليدية.في هذا السياق، لم تكن سناء محيدلي حالة فردية معزولة، بل كانت نتاجًا طبيعيًا لبيئة تُعاد صياغتها تحت النار. بيئة تعلّمت أن الاحتلال ليس قدرًا، وأن الخضوع ليس خيارًا، وأن المقاومة ليست فعلًا استثنائيًا بل ضرورة وجودية.

ثانيًا: كسر صورة الحرب التقليدية

ما ميّز تلك اللحظة لم يكن فقط الفعل بحد ذاته، بل الرسالة الكامنة خلفه. فالحروب التقليدية تقوم على جيوش، وخطوط تماس، وموازين قوى واضحة. أما ما حدث، فقد كسر هذه الصورة بالكامل.هنا، لم يعد الصراع بين جيشين، بل بين إرادتين: إرادة تسعى للهيمنة، وأخرى ترفض الخضوع. وهذا النوع من المواجهة يضع الاحتلال أمام معضلة عميقة: كيف يمكن ردع خصم لا يخضع لمنطق الردع التقليدي؟لقد أدرك الاحتلال، ولو متأخرًا، أن المعركة لم تعد على الأرض فقط، بل في الوعي. وأن أخطر ما يمكن أن يواجهه ليس السلاح، بل الإنسان الذي قرر أن يتحول إلى مشروع مقاومة بحد ذاته.

ثالثًا: البعد النفسي…

حيث تبدأ الهزيمة الحقيقيةفي الحروب، لا تكون الهزيمة دائمًا ميدانية. أحيانًا تبدأ الهزيمة في الداخل، في النفس، في الشعور بعدم الأمان، وفي الشك بجدوى السيطرة.العملية التي نفذتها سناء محيدلي لم تُحدث فقط أثرًا ميدانيًا، بل أحدثت زلزالًا نفسيًا داخل بنية الاحتلال. فجأة، لم يعد الجنود يشعرون بالأمان حتى في نقاط تمركزهم. لم تعد الطرق آمنة، ولا الإجراءات كافية.وهنا تكمن القوة الحقيقية: حين يتحول كل شيء إلى مصدر تهديد، وحين يفقد المحتل قدرته على التنبؤ، يبدأ بالتراجع حتى لو لم يعترف بذلك. لأن السيطرة لا تقوم فقط على القوة، بل على الشعور بالسيطرة. وعندما ينهار هذا الشعور، تبدأ النهاية.

رابعًا: من الفعل الفردي إلى النموذج الملهم

التاريخ لا يتوقف عند الأحداث، بل يبني عليها. وما حدث لم يكن نهاية، بل بداية. فقد تحولت هذه اللحظة إلى نموذج، إلى فكرة قابلة للتكرار، وإلى مصدر إلهام لمرحلة كاملة من العمل المقاوم.وهنا يكمن التحول الأخطر: حين يصبح الفعل قابلاً للاستنساخ. فالمحتل يمكنه التعامل مع حدث واحد، لكنه يعجز أمام ظاهرة. وهذه الظاهرة لم تكن مجرد عمليات، بل ثقافة مقاومة تتغلغل في المجتمع، وتعيد تعريف دور الفرد.لم يعد الإنسان متفرجًا، بل أصبح جزءًا من المعركة. لم يعد ينتظر التغيير، بل أصبح صانعًا له. وهذه النقلة النوعية هي ما جعلت مسار الصراع يأخذ منحى مختلفًا تمامًا.

خامسًا: المرأة في قلب المواجهة… كسر القوالب الجاهزة

من أكثر ما أربك الاحتلال في تلك المرحلة هو كسر الصور النمطية. فالمرأة، التي حاولت الأنظمة الاجتماعية والسياسية حصرها في أدوار محددة، ظهرت هنا كفاعل مركزي في المواجهة.هذا التحول لم يكن رمزيًا فقط، بل كان عمليًا واستراتيجيًا. إذ أثبت أن المقاومة ليست حكرًا على فئة دون أخرى، بل هي حالة مجتمعية شاملة. وأن أي محاولة لتقييدها ضمن قوالب جاهزة ستفشل.وجود المرأة في قلب الفعل المقاوم أعاد تعريف مفاهيم القوة، والشجاعة، والدور الاجتماعي. وفتح الباب أمام مرحلة جديدة، يصبح فيها كل فرد، بغض النظر عن موقعه، جزءًا من معادلة المواجهة.

سادسًا: الإعلام… ساحة الصراع الموازية

لم تقتصر المعركة على الميدان، بل امتدت إلى الإعلام. فالطريقة التي تم بها تناول الحدث، سواء من قبل الإعلام المحلي أو العالمي، كشفت عن صراع موازٍ: صراع على الرواية.الاحتلال حاول تقليل الخسائر، وتقديم الحدث كحالة استثنائية، بهدف احتوائه ومنع تحوله إلى نموذج. في المقابل، تحولت العملية إلى رمز في الوعي الشعبي، وإلى دليل على إمكانية كسر التفوق العسكري.هذا الصراع على السردية لا يقل أهمية عن الصراع الميداني. لأن من يملك الرواية، يملك القدرة على توجيه الوعي، وعلى تحديد كيفية فهم الأحداث، وبالتالي كيفية التفاعل معها.

سابعًا: الذاكرة كأداة مقاومة

واحدة من أخطر أدوات الشعوب ليست السلاح، بل الذاكرة. فالذاكرة تحفظ التجارب، وتنقلها، وتحولها إلى جزء من الهوية.استعادة رفات سناء محيدلي بعد سنوات لم تكن مجرد حدث إنساني، بل كانت إعادة إحياء للذاكرة، وتأكيدًا على أن المعركة مستمرة. فالاحتلال قد يسيطر على الأرض لفترة، لكنه يعجز عن محو الذاكرة.وهنا يكمن سر الاستمرارية: حين تتحول الأحداث إلى جزء من الوعي الجمعي، تصبح قوة دافعة للأجيال القادمة، وتتحول إلى وقود دائم للمقاومة.

ثامنًا: من الجنوب إلى الإقليم… تأثير يتجاوز الجغرافيا

ما جرى لم يبقَ محصورًا في الجنوب، بل امتد تأثيره إلى كامل المنطقة. فقد أعاد طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الصراع، وحول إمكانيات الشعوب في مواجهة قوى أكبر منها.هذا النوع من العمليات ساهم في إعادة تشكيل التفكير الاستراتيجي، ليس فقط لدى قوى المقاومة، بل حتى لدى الخصوم. إذ أصبح من الواضح أن التفوق العسكري لا يضمن النصر، وأن الحروب لم تعد تُحسم بالوسائل التقليدية فقط.

تاسعًا: حين يفشل الردع… يولد مسار جديد

الردع هو أحد أعمدة القوة لدى أي احتلال. لكنه يفشل عندما يواجه خصمًا لا يخاف بالطريقة التي يتوقعها.ما حدث كشف حدود هذا الردع، وأظهر أن هناك مستويات من الصراع لا يمكن التحكم بها عبر القوة فقط. وهذا الفشل لم يكن تكتيكيًا، بل استراتيجيًا، لأنه فتح الباب أمام مسار جديد من المواجهة، قائم على كسر القواعد، لا الالتزام بها.

الخاتمة: من حدث إلى نهج… ومن ذكرى إلى مشروعليست القضية في استحضار الماضي، ولا في الوقوف عند حدث بعينه، بل في فهم ما يمثّله. ما جرى في نيسان 1985 لم يكن مجرد عملية، بل كان إعلانًا عن ولادة مرحلة، وعن انهيار مسلمات، وعن صعود وعي جديد.

في زمن يُراد فيه إعادة تشكيل الإنسان ليكون أكثر قابلية للخضوع، تعود هذه اللحظات لتقول العكس تمامًا: إن الإنسان، حين يدرك قضيته، يتحول إلى قوة لا يمكن احتواؤها.

وأن الشعوب، مهما طال ليلها، قادرة على إنتاج الضوء من داخل العتمة.المعادلة التي كُتبت يومها لم تكن معادلة دم فقط، بل معادلة وعي:أن من يعرف لماذا يقاوم… لن يُهزم،وأن من يملك الإرادة… سيجد الطريق،وأن التاريخ لا يُكتب بالقوة وحدها، بل بمن يجرؤ على كسرها.

وهنا، تحديدًا، تبدأ الحكاية الحقيقية… لا كنهاية، بل كبداية لا تزال تتشكل.