د.نبيلة عفيف غصن

تكشف تسريبات عن تراجع السيادة اللبنانية وتحول السلطة إلى وسيط ينفذ أوامر قوى خارجية، خصوصاً الولايات المتحدة.

هذا الواقع يشير إلى أن القرار السياسي في لبنان لم يعد محلّيًا، بل مصادَر من الخارج، مما يجعل الدولة عاجزة عن إدارة الحرب أو السلم بشكل مستقل. تتحول الحرب إلى ورقة تفاوضية، وتنormalize السلطة دورها كمكتب ارتباط، ما يهدد مستقبل البلاد ويُضعف مفهوم الدولة كهاوية حامية لشعبها.

في لحظة سياسية شديدة الحساسية، تكشف التسريبات المنقولة عن مصادر رسمية لبنانية – كما أوردتها LBCI – عن مشهد مقلق يتجاوز مجرد إدارة أزمة إلى فضح بنية القرار السياسي في لبنان. فالإعلان بأن “السلطات اللبنانية هي التي تفاوض بنفسها” بالتوازي مع التواصل المكثف مع واشنطن والعواصم الغربية، لا يعكس سيادة بقدر ما يطرح سؤالاً صارخًا: من يملك فعليًا قرار الحرب والسلم في هذا البلد؟

هنا تسقط الأقنعة: نحن لا أمام دولة تفاوض، بل أمام سلطة تُبلّغ، تستأذن، وتبحث عن دورٍ في مسرحٍ تُكتب نصوصه خارج الحدود.

سيادة على الورق… وتبعية في القرار

أي سيادة هذه التي تبدأ باتصالٍ مع واشنطن؟ وأي “قرار وطني” هذا الذي يُعرَض أولًا على القوى الدولية قبل أن يُترجم على الأرض؟ إن ما جرى ليس ممارسة دبلوماسية، بل إعلان صريح بأن القرار اللبناني مُصادَر، وأن هذه السلطة لا ترى نفسها إلا جزءًا من منظومة الوصاية، لا نقيضًا لها.السلطة التي تتباهى بأنها “هي التي تفاوض” تكشف، من حيث لا تدري أو ربما تدري جيدًا، أنها عاجزة عن الفعل خارج الإذن الأميركي.

وهذا بحد ذاته ليس ضعفًا فقط، بل اختيار سياسي: اختيار الارتهان بدل الاستقلال، والتبعية بدل الكرامة.حين يصبح استمرار الحرب ورقة تفاوضالأخطر في هذا المشهد ليس فقط التبعية، بل الدلالة الكامنة خلف رفض أي اتفاق لا يمر عبر هذه السلطة.

فالرسالة الضمنية واضحة: إن لم نكن نحن على الطاولة، فلتستمر النار.هذا ليس تحليلًا متطرفًا، بل قراءة منطقية لسلوك سياسي يضع “الدور” فوق الدم، و”الموقع التفاوضي” فوق مصلحة الناس.

وهنا تتحول الحرب من مأساة يجب إيقافها إلى أداة ضغط تُستخدم لتحسين الشروط، ولو على حساب وطنٍ بأكمله.أي سلطة هذه التي ترى في استمرار العدوان فرصة؟

وأي منطق هذا الذي يقايض أمن الناس بمقعدٍ في مفاوضات تُدار أصلًا بإشراف الخارج؟

دولة أم مكتب ارتباط؟

ما نشهده اليوم هو انكشاف كامل لوظيفة هذه السلطة: ليست حامية للبلد، بل حلقة وصل بين الخارج والساحة اللبنانية.

لا تُدير الصراع، بل تُدار ضمنه. لا ترسم الخطوط الحمراء، بل تتلقى التعليمات.

لبنان، في ظل هذا الأداء، لم يعد دولة تُدافع عن نفسها، بل مساحة يُعاد ترتيبها وفق مصالح الآخرين. والسلطة، بدل أن تكون جدار الحماية، تحولت إلى أداة تنظيم لهذا الارتهان، تُجمّله بخطابات السيادة الفارغة.

الخطيئة الأكبر: التطبيع مع الذل

الأخطر من كل ذلك هو تطبيع هذا السلوك. أن يصبح من “الطبيعي” أن تتوجه السلطة إلى واشنطن لتحدد موقعها، وأن يُقدَّم ذلك على أنه إنجاز سياسي. هنا لا نتحدث فقط عن فساد أو ضعف، بل عن انهيار كامل في مفهوم الدولة.حين تعتاد السلطة على لعب دور التابع، فإنها تفقد القدرة حتى على تخيّل الاستقلال.

وحين يُختزل الوطن في وظيفة لدى الخارج، يصبح الشعب مجرد تفصيل يمكن التضحية به.خاتمة: لا سيادة مع التبعية… ولا كرامة مع وكلاء الخارجما جرى ليس تفصيلًا عابرًا، بل لحظة كاشفة: إما أن يُعاد بناء مفهوم الدولة على أساس السيادة الفعلية، أو يستمر هذا الانحدار حيث تُدار البلاد بعقلية الوكيل لا صاحب الأرض.

لبنان لا يحتاج إلى سلطة “تتفاوض باسمه” عند الآخرين، بل إلى إرادة تفرض نفسها عليهم. وما لم يُكسر هذا النمط من الارتهان، ستبقى كل الحروب ممكنة، لأن من يمسك القرار لا يدفع الثمن… بل يفرضه على شعبٍ تُرك وحيدًا في مواجهة النار.