قيامة إيران تسحق أوهام إمبراطورية الهيمنة

نبيل الجمل

من قلب العواصف التي تضرب الجغرافيا السياسية، ومن وسط نيران “الوعد الصادق 4″، تبزغ حقيقة تاريخية كبرى لا يمكن للبروباغندا الغربية حجبها: إنها “القيامة الإيرانية” التي لم تكتفِ بالدفاع، بل انتقلت لفرض معادلة الردع الشامل من البر والبحر والجو. نحن اليوم أمام مشهد جيوسياسي جديد، حيث تحول الرهان الصهيو-أمريكي على كسر إرادة طهران في أسبوع واحد إلى مستنقع استراتيجي ينزف فيه العملاق الأمريكي هيبته وماله، بينما تتوسع إيران في ردودها لتشعل فتيل التحول الجذري في موازين القوى العالمية.

لقد توهم دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو أن القوة العسكرية الغاشمة قادرة على إنهاء النظام الإسلامي في وقت قياسي، لكن موجات الردع والإستهداف للعمق وموجات الإطلاق الـ 40 من الصواريخ الباليستية والمسيرات الانقضاضية وضعت النقاط على الحروف. هذه العمليات، التي استخدمت فيها طهران أحدث تكنولوجيا الصواريخ برؤوس متفجرة تزن طنًا كاملًا، لم تكن مجرد رد فعل، بل كانت زلزالاً تقنيًا وعسكريًا دكّ القواعد الأمريكية في طول الخليج وعرضه؛ من الإمارات وعمان إلى قطر والكويت والسعودية، مستهدفةً مراكز الشحن، مخازن الوقود، والقلب النابض للإسناد اللوجستي الأمريكي، مما جعل الوجود العسكري الأجنبي عبئًا على نفسه وعلى حلفائه.

في الداخل الفلسطيني المحتل، لم تعد “إسرائيل” ذلك الكيان الآمن الذي يحتمي بـ “القبة الحديدية”، بل تحولت إلى ساحة مفتوحة للمسيرات الإيرانية وصواريخ حزب الله ومحور المقاومة التي تنهال ليلًا ونهارًا، مستهدفةً مراكز القيادة والسيطرة وتجمعات الجنود الصهاينة والأمريكيين على حد سواء. إن التهديد الإيراني الأخير باستهداف البنوك والمراكز الاقتصادية التابعة للولايات المتحدة والكيان في المنطقة، يمثل الانتقال إلى “الحرب الاقتصادية الشاملة”، وهو السلاح الذي يخشاه الغرب أكثر من الرصاص، لأنه يضرب عصب الهيمنة الرأسمالية في مقتل.

التناقض الصارخ في سلوك الإدارة الأمريكية يكشف حجم المأزق؛ فبينما يظهر ترامب أمام الإعلام بمظهر القوي الذي لا يضع جدولًا زمنيًا للحرب، تؤكد المصادر السياسية الرفيعة في طهران أنه يرسل الوسطاء سرًا بحثًا عن مخرج يحفظ ما وجهه. هذا التخبط يعكس حالة “الفوضى الاستراتيجية” التي يعيشها البيت الأبيض، حيث وجد ترامب نفسه عالقًا في مستنقع لا قرار له، مستنجدًا بالدول الأوروبية التي باتت هي الأخرى تخشى من ارتدادات الانخراط في عدوان خاسر استنفد ذخائر “إسرائيل” وجعل الميزانية الأمريكية تنزف لصالح التصنيع العسكري المنهك.

وعلى جبهة البحار، تبدو دعوات ترامب لمالكي السفن بـ “إظهار الشجاعة” في مضيق هرمز مثيرة للسخرية، في وقت تتخوف فيه قوات السفن الحربية الأمريكية نفسها من مواجهة الزوارق والمسيرات الانتحارية التي حولت المضيق إلى منطقة محرمة على المتغطرسين. هذا التخوف ليس مجرد وهم، بل هو اعتراف ضمني بسقوط “إمبراطورية الهيمنة” أمام إرادة الشعوب والمجاهدين في لبنان والعراق واليمن، الذين شكلوا مع طهران سدًا منيعًا لا يكسر.

إن استمرار الحياة الطبيعية في إيران، وقدرة المؤسسة القيادية على ترتيب بيتها الداخلي بسلاسة عبر اختيار السيد مجتبى خامنئي خلفًا لوالده الشهيد الإمام السيد علي خامنئي، يبعث برسالة حاسمة للأعداء: إن هذا المحور لا يرتبط بأشخاص بل بعقيدة راسخة وتخطيط بعيد المدى. فبينما يراهن الغرب على الانهيار، نرى إيران ومحورها في حالة تصاعد مستمر، محققين آلاف الأهداف بدقة متناهية، ومثبتين للعالم أن عصر القطب الواحد قد انتهى تحت أقدام المقاومين، وأن “القيامة الإيرانية” هي فجر جديد لمنطقة لا تقبل التبعية ولا تنحني أمام الهيمنة.