القوة تصنع التاريخ حين يغيب الضمير
د. فريد عبد الجبار ولد علي
11/03/2026
في القرن الخامس قبل الميلاد كتب المؤرخ الإغريقي ثيوسيديدس في تاريخ الحرب البيلوبونيزية: “الأقوياء يفعلون ما في وسعهم، والضعفاء يعانون ما يجب عليهم.” هذه العبارة أصبحت لاحقاً واحدةً من أكثر الجمل تلخيصاً لجوهر السياسة الدولية.
لم تكن تلك العبارة مجرد حكمة فلسفية مجردة، بل جاءت في سياق حوار قاسٍ بين أثينا القوية وجزيرة ميلوس الضعيفة. يومها لم تتحدث أثينا عن العدالة ولا عن القانون، بل عن ميزان القوة، استسلموا أو تُدمروا. وفي النهاية دُمّرت ميلوس بالفعل، ليصبح ذلك الحوار رمزاً للواقعية السياسية، وأحد أشهر الشواهد التاريخية على ما يحدث حين تُجرد السياسة من الأخلاق.
وبعد أكثر من ألفي عام، يبدو أن العالم لم يبتعد كثيراً عن تلك القاعدة القديمة. فاليوم، تتكشف أمامنا صورة دولية تتكرر فيها القاعدة نفسها، القوة تصنع الوقائع، ثم يُعاد تفسيرها لاحقاً بلغة القانون أو الأخلاق. فحين اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية، هبّ الاعلام الغربي وساسته للإعلان أن ما حدث هو انتهاك صارخ للقانون الدولي. فُرضت العقوبات، وتحركت المؤسسات الدولية، وارتفعت لغة الدفاع عن السيادة والحدود وحقوق الشعوب.
لكن المشهد بدا مختلفاً تماماً عندما تعلّق الأمر بغزة. فهناك، وعلى الرغم من الدمار الواسع وسقوط آلاف المدنيين وتدمير المدن والبنية التحتية، لم تُستدعَ اللغة الأخلاقية بالحزم نفسه، ولم يتحرك النظام الدولي بالزخم ذاته. بدا وكأن العدالة الدولية تعمل بميزانين، ميزان حين يكون الضحية في الفضاء السياسي الغربي، وميزان آخر حين يكون الضحية في منطقة أخرى من العالم.
وها نحن اليوم نختبر عبارة ثيوسيديدس التي أطلت برأسها من جديد، العدالة ليست هي التي تحكم النظام الدولي، بل القوة ومن يملكها. حيث يتكرر المشهد ذاته في الشرق الأوسط. وها هو ترامب يعيد التاريخ ويقولها لإيران: استسلموا أو تُدمروا.
فالتوترات والهجمات المتبادلة، والتهديدات المستمرة لإيران، تُقرأ في إطار صراع الإرادات وموازين الردع، لا في إطار القانون الدولي المجرد. فحين تُستخدم القوة العسكرية أو التهديد بها، فإن الخطاب الذي يرافقها غالباً ما يكون أخلاقياً في ظاهره، لكنه في جوهره يعكس حسابات القوة والنفوذ والهيمنة في منطقة تُعد من أكثر مناطق العالم حساسية من الناحية الاستراتيجية. هنا أيضاً يتأكد الدرس القديم، أن السياسة الدولية ليست ساحة للمثاليات، بل ميدان تتصارع فيه المصالح.
وفي أمريكا اللاتينية، عادت السياسة الدولية لتكشف عن وجهها الأكثر خشونة وقبحاً. فالمغامرات السياسية والضغوط المتواصلة على فنزويلا، وصولاً إلى حادثة اختطاف الرئيس مادورو وزوجته في سابقة خرق القانون الدولي والاعتداء على دولة ذات سيادة، ومحاولة فرض الإرادة بالقوة، أعادت إلى الواجهة السؤال القديم حول حدود النفوذ الأمريكي في نصف الكرة الغربي.
في مثل هذه الحالات، تصبح السيادة مفهوماً مرناً؛ تُدافع عنه القوى الكبرى حين يخدم مصالحها، وتعيد تفسيره حين يتعارض معها. وهكذا، لا تعود القوانين الدولية إطاراً ثابتاً، بل ساحة تأويل سياسي تتغير مع تغير موازين القوة.
حتى في الخطاب السياسي المعاصر، تظهر أحياناً نزعات تعيد التذكير بعصور التوسع الإستعماري. فقد أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول فكرة ضم جرينلاند موجة من الجدل العالمي، لأنها بدت وكأنها تعيد طرح سؤال قديم بصيغة حديثة، هل يمكن أن تصبح الجغرافيا موضوعاً للتفاوض بين القوى الكبرى؟ صحيح أن الفكرة لم تتحول إلى سياسة فعلية، لكنها كشفت أن منطق القوة لا يزال حاضراً في الخيال السياسي لبعض القوى الكبرى، حتى في القرن الحادي والعشرين.
ما تكشفه هذه الوقائع المتفرقة هو أن النظام الدولي لا يعمل دائماً وفق القواعد المعلنة. فالقانون الدولي موجود، والمؤسسات الدولية موجودة، والخطاب الأخلاقي حاضر بقوة، لكن تطبيقه يظل رهناً بموازين النفوذ. في عالم كهذا، تصبح العدالة نسبية، ويتحول القانون إلى أداة سياسية بقدر ما هو إطار تنظيمي.
وهنا بالضبط تكتسب كلمات ثيوسيديدس قوتها المتجددة. فالمؤرخ الإغريقي لم يكن يبرر الظلم، بل كان يصف واقعاً سياسياً قاسياً، حين تختل موازين القوة، يصبح الضعفاء عرضة لنتائج لا يملكون القدرة على تغييرها. كما ويبرز سؤال المستقبل الكبير: هل سيظل العالم محكوماً بهذه القاعدة القديمة، أم أن البشرية قادرة يوماً ما على بناء نظام دولي أكثر عدلاً، تُطبق فيه القوانين على الجميع لا على الضعفاء وحدهم؟
التاريخ حتى الآن لا يقدم جواباً مطمئناً. لكن المؤكد أن القوة قد تصنع الأحداث، لكنها لا تصنع الشرعية إلى الأبد. فكل نظام دولي يقوم على القوة وحدها يحمل في داخله بذور اضطرابه. وهذا درس آخر من دروس التاريخ، لا يقل أهمية عن درس ثيوسيديدس نفسه.
