حين يُرسم الشرق على إيقاع الغاز: من يسرق ثروات المتوسط تحت غطاء السياسة؟
فاتنة علي،لبنان/سوريا الطبيعية
حين يصرّح نتنياهو قائلاً إنهم “يتحرّكون وفقاً لاتفاقهم مع أميركا ولبنان على حرية الرد على الهجمات وإحباط التهديدات”، فإنّ السؤال لا يجب أن يقف عند حدود التصريح، بل عند ما يخفيه هذا التصريح من تفاهمات أعمق، وخطط أكبر، ومسارات يعاد رسمها في المنطقة بعيداً عن أعين الشعوب.
فالعبارات السياسية المقتضبة لا تأتي عبثاً، خصوصاً حين تصدر عن كيان اعتاد أن يُمهّد لمشاريعه الكبرى عبر رسائل إعلامية مختصرة، تختبر ردود الفعل وتُمرّر الوقائع قبل إعلانها الكامل.
وهنا يبرز السؤال الأول:
ما هو الاتفاق الذي لمح إليه نتنياهو مع أميركا ولبنان الرسمي؟
ثم السؤال الأهم:
ما علاقة هذا الاتفاق بالقمة الأوروبية التي انعقدت في قبرص؟
قد يبدو للبعض أنّ الأمر مجرّد تنسيق أمني مرتبط بجبهة الجنوب اللبناني، لكن قراءة أعمق للمشهد تكشف أن المسألة أبعد من حدود الجنوب، وأخطر من مجرد تفاهم عسكري مؤقت.
منذ أيام قليلة، انعقدت قمة أوروبية في قبرص، ودُعي إليها عدد من القادة العرب، وكان الحضور الأبرز للرؤساء اللبناني والسوري والمصري، في غياب تركي لافت.
هذا الغياب ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل إشارة سياسية لها دلالاتها. فحين تجتمع أوروبا مع الدول المطلة على شرق المتوسط في لحظة اضطراب عالمي في الطاقة، وحين تُستثنى تركيا من هذا الاجتماع، فإننا أمام مشهد يُعاد فيه ترتيب النفوذ والخرائط والمصالح.
في المقابل، انشغل الشارع اللبناني بتفسير تصريح نتنياهو على أنّه تنازل أمني يتعلق بالجنوب فقط، بينما غاب عن كثيرين أن لبنان كان قد مضى منذ أشهر في مسار ترسيم الحدود البحرية مع قبرص، في خطوة مرّت بهدوء لافت، رغم أنّها تمسّ واحداً من أخطر الملفات السيادية: ملف الغاز في شرق المتوسط.
هذا الترسيم لم يُعامل شعبياً وسياسياً بالحجم الذي يليق بخطورته، رغم أنّه يرتبط مباشرة بحقوق لبنان البحرية وثرواته المحتملة، كما يرتبط بخريطة الطاقة الجديدة التي تسعى أوروبا إلى تثبيتها منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.
وفق تقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأميركية (USGS)، يحتوي حوض شرق المتوسط، وبخاصة حوض المشرق الممتد بين فلسطين ولبنان وسوريا وقبرص، على نحو 122 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي القابل للاستخراج، إضافة إلى 1.7 مليار برميل من النفط. كما تؤكد إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA) أن المنطقة أصبحت أحد أهم البدائل الاستراتيجية لأوروبا في ظل سعيها لتقليل الاعتماد على الغاز الروسي.
هذه الأرقام ليست مجرد تقديرات تقنية، بل هي السبب الحقيقي وراء هذا الحراك السياسي المحموم.
فأوروبا التي تبحث اليوم عن مصادر طاقة بديلة، لا ترى في شرق المتوسط مجرد مياه إقليمية لدول عربية متفرقة، بل ترى خزاناً استراتيجياً للطاقة يمكنه إعادة تشكيل موازين النفور الاقتصادي والسياسي في المنطقة.
ومن هنا نفهم لماذا تحوّل شرق المتوسط إلى مركز استقطاب دولي، ولماذا باتت أوروبا تحتضن الأنظمة الرسمية في لبنان وسوريا ومصر، رغم أنّ جنوب لبنان مستباح، ورغم أنّ سوريا لا تزال تتعرض لانتهاكات مستمرة.
الاحتضان الأوروبي ليس دعماً سياسياً بريئاً، بل استثمار استراتيجي في الجغرافيا والثروات.
فالخط البحري الممتد من فلسطين إلى لبنان فسوريا وصولاً إلى مصر، هو شريان الغاز الجديد الذي يُراد له أن يغذي أوروبا، ويمنح إسرائيل موقع اللاعب الأكبر في معادلة الطاقة الإقليمية.
وقد ذكرت تقارير دولية أن حقل ليفياثان وحده يحتوي على نحو 22 تريليون قدم مكعب من الغاز، فيما يحتوي حقل ظهر المصري على نحو 30 تريليون قدم مكعب، بينما تواصل قبرص تطوير حقولها مثل كرونوس وأفروديت، في إطار مشروع تكامل طاقوي إقليمي هدفه ضخ الغاز نحو الأسواق الأوروبية.
وهنا تتضح صورة أخطر:
ليس المطلوب فقط استخراج الغاز، بل إعادة هندسة المنطقة سياسياً وأمنياً بما يضمن السيطرة على هذا المورد الحيوي.
ولهذا يصبح التغاضي الإعلامي عن الاعتداءات على لبنان وسوريا مفهوماً، كما يصبح التركيز الإعلامي المكثف على مضيق هرمز وباب المندب جزءاً من لعبة تشتيت الأنظار عن المعركة الحقيقية الجارية في شرق المتوسط.
إنّ ما يجري على سواحل فلسطين ولبنان وسوريا ومصر ليس مجرد تعاون اقتصادي، بل سباق نفوذ عالمي على ثروة هائلة.
إسرائيل تدرك أن السيطرة على هذه الثروة ستمنحها نفوذاً اقتصادياً هائلاً، وقدرة على التحول إلى مركز طاقة إقليمي يخدم أوروبا ويعزز هيمنتها.
وروسيا تدرك في المقابل أن نجاح هذا المشروع يعني تهديداً مباشراً لنفوذها في سوق الغاز الأوروبي.
أما غياب تركيا عن هذا المشهد، فهو أيضاً مفهوم في ضوء هذه المعادلة؛ فأنقرة تدرك أن أي مشروع طاقوي إقليمي لا تكون جزءاً منه يعني تقليص وزنها الجيوسياسي، وإضعاف قدرتها على التأثير في معادلات الطاقة والنفوذ شرق المتوسط.
لهذا، فإن استمالة سوريا ولبنان نحو ترتيبات إقليمية جديدة ليست مسألة دبلوماسية فقط، بل جزء من صراع أكبر على الجغرافيا والموارد.
لكن الأخطر من كل ذلك ليس حجم المؤامرات ولا جشع القوى الاستعمارية، بل حالة الغفلة الشعبية.
في الوقت الذي تعيد فيه الدول الكبرى رسم خرائط النفوذ والثروة، لا تزال شعوب المنطقة غارقة في مستنقعات الانقسام الطائفي والمذهبي، تُستنزف في صراعات داخلية بينما تُنهب ثرواتها على مرأى منها.
لقد أثبت التاريخ مراراً أن أخطر أسلحة الهيمنة ليست الطائرات ولا البوارج، بل تفكيك الوعي الجمعي وتحويل الشعوب إلى جماعات متناحرة لا ترى عدوها الحقيقي.
الاستعمار الحديث لا يسرق الأرض فقط، بل يسرق الإدراك، ويزرع الفتنة، ويُشغل الناس ببعضهم كي يمدّ يده إلى الثروة بلا مقاومة.
وفي هذا المشهد، لا فرق لدى القوى الإمبريالية بين سني وشيعي، ولا بين لبناني وسوري وفلسطيني أو خليجي.
الجميع بالنسبة لها مجرد أدوات أو عوائق في طريق السيطرة.
ومن لا يدرك ذلك اليوم، سيكتشف غداً أن الانقسامات التي استنزفته كانت مجرد غطاء لنهب ثروته وسلب قراره.
إنّ المنطقة تقف أمام لحظة مفصلية:
إمّا وعيٌ يوحّد الشعوب في مواجهة مشاريع الهيمنة، وإمّا مزيد من التشرذم الذي يسهّل على الطامعين ابتلاع كل شيء.
فالغاز ليس مجرد ثروة، بل مفتاح نفوذ وسيادة ومستقبل.
ومن يفرّط به، يفرّط بمستقبل أجياله.
حين تنام الشعوب على خلافاتها، يستيقظ الطامعون على خرائطها.
