هل ستعيد أمريكا بناء قواعدها في المنطقة؟
أفول الهيمنة الأمريكية وصعود الوعي الإقليمي الجديد
مقدمة: سقوط نموذج القوة الذي حكم المنطقة لعقود
لم يكن الوجود الأمريكي في المنطقة مجرد انتشار عسكري أو قواعد متناثرة، بل كان لعقود طويلة رمزاً لنظام دولي كامل بُني على فكرة أن واشنطن هي القوة الوحيدة القادرة على ضمان تدفق الطاقة، وحماية الممرات البحرية، ومنع الانهيارات الأمنية. كانت القواعد الأمريكية تُقدَّم بوصفها “مظلة حماية”، ووسيلة لردع الخصوم، وضمانة لاستقرار اقتصادي عالمي يعتمد بشكل كبير على نفط المنطقة وغازها وممراتها الحيوية.
لكن السنوات الأخيرة حملت معها تحولات عميقة قلبت هذه المعادلة رأساً على عقب، ودفعت المنطقة والعالم إلى إعادة التفكير في معنى الأمن، وفي جدوى الاعتماد على قوة خارجية لم تعد قادرة على حماية نفسها، فضلاً عن حماية الآخرين.
تدمير القواعد الأمريكية: لحظة الانكشاف الاستراتيجي
القواعد الأمريكية التي كانت تُعدّ حصوناً منيعة، تحوّلت فجأة إلى أهداف مكشوفة. تدمّرت منشآت، تعطّلت رادارات، انهارت غرف عمليات، وانتقل العسكريون الأمريكيون إلى فنادق وشقق مدنية بعد أن فقدوا القدرة على البقاء في مواقعهم.
لم يعد الأمر مجرد ضربة عسكرية، بل انهياراً لنموذج كامل كان يقوم على فكرة التفوق الأمريكي المطلق. والأخطر من ذلك أن الدول التي كانت تستضيف هذه القواعد اكتشفت أن وجودها لم يعد مصدر حماية، بل أصبح مصدر تهديد مباشر. فكل قاعدة تحوّلت إلى نقطة جذب للصواريخ والطائرات المسيّرة، وكل دولة تستضيفها أصبحت مهددة بأن تتحول إلى ساحة حرب لا علاقة لها بمصالحها الوطنية.
إغلاق مضيق هرمز: اختبار كشف هشاشة النظام العالمي
في الوقت نفسه، شهد العالم حدثاً كشف هشاشة النظام القديم: إغلاق مضيق هرمز لأكثر من عشرة أيام. هذا الممر الذي يمر عبره جزء كبير من النفط العالمي توقف، فارتفعت الأسعار، واضطربت الأسواق، واهتزت الثقة في قدرة القوى الكبرى على حماية أهم شريان اقتصادي على وجه الأرض.
كانت واشنطن تقول دائماً إنها “الضامن الوحيد” لتدفق الطاقة، لكن حين جاء الاختبار الحقيقي، لم تستطع فتح المضيق، ولا حماية الملاحة، ولا حتى حماية قواعدها. وهكذا ظهر للعالم أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على لعب دور “شرطي الطاقة العالمي”، وأن النظام الدولي الذي بُني على هذه الفكرة ينهار أمام أعين الجميع.
تحوّل المزاج الإقليمي: من الاستقواء بالأجنبي إلى ضرورة بناء الأمن الذاتي
هذا الانهيار لم يأتِ من فراغ. فالمنطقة نفسها تغيّرت، وإن لم تبدأ بعد ببناء منظومات أمن جماعي متكاملة، إلا أن الوعي الجمعي بدأ يدرك أن الاعتماد على قوة خارجية لم يعد خياراً آمناً ولا واقعياً. لم تعد شعوب المنطقة تقبل بوجود عسكري أجنبي يفرض عليها إيقاعه، ولم تعد حكوماتها ترى في القواعد الأمريكية ضمانة للاستقرار. بل على العكس، أصبح وجود هذه القواعد عبئاً سياسياً وأمنياً، ومصدراً دائماً للخطر، بعدما تحوّلت إلى أهداف مكشوفة تجرّ على الدول المستضيفة ضربات لا علاقة لها بمصالحها الوطنية.
ومن هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى أن تبدأ المنطقة — ولأول مرة بشكل واعٍ ومنهجي — ببناء منظومات أمن جماعي إقليمية، واتفاقيات دفاع مشترك، وتعاون استخباري عابر للحدود، وقدرات صاروخية ومسيرات محلية، وشبكات دفاع جوي تتكامل فيما بينها. الأمن لم يعد سلعة تُستورد من الخارج، بل مشروعاً إقليمياً يجب أن يُبنى من الداخل، وإلا ستبقى المنطقة رهينة لفراغ القوة ولتقلبات القوى الكبرى.
ما الذي سيمنع أمريكا من العودة لبناء قواعدها؟
لكن ما سيمنع عودة القواعد الأمريكية ليس الوعي وحده، بل ثلاثة عوامل حاسمة بدأت تتشكل ملامحها بوضوح.
العامل الأول هو أن أي دولة تفكر في إعادة استضافة قاعدة أمريكية تعرف أنها ستصبح هدفاً مباشراً، وأن القاعدة لن تكون درعاً بل مغناطيساً للصواريخ، وأن تكلفة استضافة الأمريكيين أصبحت أعلى بكثير من فائدتها. لقد تحوّلت القواعد من “مناطق آمنة” إلى “مصائد نيران”، وهذا وحده كفيل بردع أي حكومة عن التفكير في استضافتها.
العامل الثاني يتمثل في ضرورة بناء نظام أمن إقليمي متكامل، لا مجرد توازنات هشة. فحين تمتلك المنطقة منظومات دفاع مشتركة، وقدرات ردع ذاتية، وتعاوناً استخبارياً فعالاً، تصبح الحاجة إلى المظلات الأجنبية أقل، وتتحول حماية الأمن إلى مسؤولية جماعية لا يمكن لأي دولة خارجية احتكارها أو التحكم بها.
أما العامل الثالث فهو دخول قوى دولية كبرى مثل الصين وروسيا على خط الضمانات الاستراتيجية. وجود هاتين القوتين يمنح دول المنطقة توازناً يمنع الولايات المتحدة من فرض وجودها بالقوة أو الضغط السياسي، ويمنح الحكومات هامشاً واسعاً لرفض أي محاولة لإعادة بناء قواعد أمريكية على أراضيها. لم يعد العالم أحادي القطب، ولم تعد واشنطن قادرة على احتكار القرار الأمني في منطقة تُعدّ الأكثر أهمية للأمن الاقتصادي العالمي.
