هذه المرأة ليست مجرد أمٍّ ثكلى، بل هي تجسيدٌ حيّ لروح السيدة زينب، تتردد في زمنٍ ظنَّ أتباع الجولاني أنهم سيطوّقونه بقسوتهم وحدهم. وقفت أمام وحوش هذا العصر كما وقفت زينب في كربلاء، بعينين تشعان بتحدٍّ يخترق حجب الموت، وقلبٍ محترقٍ لكنه لا ينثني. لم تذرف دموعًا تستجدي بها شفقة الجلادين، بل أطلقتها شرارات نارٍ تلتهب في وجوه القتلة، كأنها لعنةٌ أبديةٌ لن ينجو منها ظالمٌ أبدًا.
هؤلاء الذين سفكوا دماء أبنائها ظنوا أنهم قضوا على صوتها، لكنها كانت تقول لهم بنظراتها قبل أن تنطق شفتاها: “والله لن تمحو ذكرنا!” وقفت هناك، في مواجهة سكاكينهم وراياتهم الداكنة، كأنها جبلٌ شامخٌ من الغضب المقدس، تحمل في صدرها آلام كل أمٍّ ثكلى، وتحمل في فمها كلماتٍ كالسيف المسلول، تقطع أوصال الجبن والخيانة.
لم تكن تصرخ كغيرها، بل كانت تنظر، وصمتها في مواجهة الطغاة كان أبلغ من كل خطب الأرض. كانت تُعلن لهم أن الدم لا يُرعب من تربى على درب الحسين، وأن الموت ليس نهايةً لمن عاش من أجل الحق. الموت في طريق الشرف حياةٌ، والخوف من القتلة عارٌ.
لقد رحل أبناؤها، لكنها بقيت، شاهدةً على الظلم وشهيدةً على الإيمان، تخبرنا أن البطولة ليست في السيف والفرس وحدهما، بل في عينٍ لا تذرف دمعة خوف، وكفٍّ لا ترتعش، وقلبٍ ينبض بالحياة حتى في لحظة الفقد الأقسى.
هي ليست امرأةً علويةً فحسب، بل هي من طينة زينب، خُلقت لتكون شوكةً في حلوق الظالمين، ووصمة عارٍ على جبين قاتليها، إلى يوم يبعثون. هي النار التي لا تنطفئ، والصوت الذي لا يُسكت، والذكرى التي لا تُنسى. هي الأم التي حوّلت حزنها إلى قوة، ودموعها إلى نار، وصمتها إلى صرخة تزلزل عروش الطغاة.
هي المرأة التي تُذكّرنا أن الحق لا يموت، وأن الدم الذي يُسفك في سبيله يصير نورًا يضيء درب الأحرار. هي زينب العصر، التي تقف في وجه الظلام، وتُعلّمنا أن الشجاعة ليست في القوة الجسدية، بل في الإصرار على الوقوف، حتى لو كان الثمن هو كل شيء.
عبدالله عبدالله/باريس

