في أجواءٍ مشحونة، يعلو فيها الضجيج الإعلامي حول حربٍ محتملة واصطدامٍ مباشر بين الولايات المتحدة وإيران، يغيب النقاش الجاد حول الفوارق البنيوية، الجغرافية، النفسية، والعقائدية بين أطراف الصراع. وما لم تُفكَّك هذه الفوارق ببرودة عقل وصرامة تحليل، سيبقى الرأي العام أسير سردياتٍ مُعلَّبة لا تُشبه الواقع.
إذا ما اندلعت مواجهة بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة، وإيران من جهة أخرى، فإن الرد الإيراني – وفق منطق الصراع لا وفق الدعاية – سيكون موجهاً مباشرة إلى الكيان، بوصفه الذراع الأطول والأكثر التصاقاً بالمشروع الأميركي في المنطقة، لا العكس كما يُروَّج. فالكيان لم يكن يوماً شريكاً متكافئاً، بل أداة وظيفية، وقاعدة متقدمة للهيمنة الأميركية في الشرق الأوسط.

شبه قارة في مواجهة بقعة محاصَرة
المقارنة بين إيران والكيان ليست مقارنة قوة عسكرية فحسب، بل مقارنة وجود.
إيران دولة بحجم شبه قارة، بعمق جغرافي، تنوع تضاريسي، وامتداد بشري متماسك.
في المقابل، كيان محصور في رقعة ضيقة، محاط بكراهية تاريخية وشعبية غير مسبوقة، مهما أُنفِق من حبر على اتفاقيات سلام صاغتها الأنظمة ورفضتها الشعوب.
التاريخ يُظهر أن الحروب الطويلة لا يحسمها التفوق التقني وحده، بل يحسمها “النفس الطويل”. وهنا، يتقدّم “أصحاب السجاد العجمي” بخاصية الصبر التاريخي، مقابل كيانٍ لا يحتمل الاستنزاف.
وحرب الأيام الاثني عشر الأخيرة – على قِصَرها – قدّمت دروساً لا تُحصى في هذا السياق، لمن أراد أن يرى.

الالتفاف مقابل التفكك
إيران أثبتت مراراً أن الضغط الخارجي يعزّز تماسكها الداخلي. كلما اشتد الحصار، ازداد التفاف الشعب حول قيادته. هذا ليس ادعاءً إنشائياً، بل حقيقة كررها التاريخ الإيراني منذ الثورة وحتى اليوم.
في المقابل، شهد الكيان خلال الحرب الأخيرة حالة تفكك داخلي غير مسبوقة:
قرارات بمنع سفر المواطنين.
هروب فعلي لبعضهم بحراً نحو أوروبا، في مشهد يعيد الذاكرة إلى بدايات هذا الكيان لا إلى “دولة مستقرة”.
الكيان يدرك أن الهجرة العكسية تعني تآكلاً وجودياً سريعاً: من أين سيأتي بمستوطنين جدد؟ كيف سيملأ فراغ التجنيد؟ وكيف سيحافظ على “الأمن” وهو العنصر الوحيد الذي يُسوَّق به وجوده؟

بين وفاء العقيدة أم عبء الوظيفة؟
حلفاء إيران – من اليمن إلى جنوب لبنان مروراً بالعراق – ليسوا تحالف مصلحة عابرة، بل تحالف عقيدة ومصير.
أما الكيان فقد بات عبئاً على حلفائه ، حتى الولايات المتحدة نفسها، في ظل أزماتها الاقتصادية المتلاحقة (والدليل ارتفاع أسعار الذهب كملاذ عالمي)، لن تبقى قادرة إلى الأبد على تحمّل كلفة حماية كيان وظيفي.
والتاريخ يُعلّم أن القوى العظمى تتخلى عن أدواتها حين تصبح كلفتها أعلى من فائدتها.
هذا ما يفسّر:
التواجد الأميركي المتزايد المباشر في المنطقة.
بناء القواعد تدريجياً.
الحشود في البحار واليابسة.
إنه استعداد لمرحلة ما بعد الأداة.

إيران النظام اللا مركزي في مواجهة رهانات الاغتيال
محاولات الاغتيال التي طالت إيران خلال حرب “طوفان الأقصى” لم تكن عمليات تكتيكية، بل محاولة لضرب الأسس وإحداث انقلاب داخلي.
لكن سرعة التدارك كشفت فشل الرهان، وفضحت حجم التدخل الخارجي.
النظام الإيراني ليس نظام رأس هرم قابل للقطع.
هو نظام لا مركزي، متعدد البدائل، مختلف جذرياً عن النماذج العربية الهشة.
حتى مع تصدّر السيد القائد علي الخامنئي للمشهد، فإن البنية لا تقوم على فرد، بل على منظومة عقائدية تُعيد إنتاج نفسها بسرعة.

جوهر الصراع العقيدة لا النووي
الحديث عن البرنامج النووي أو الصواريخ الباليستية ليس سوى غطاء.
الهدف الحقيقي هو كسر عقيدة الرفض.
إيران، منذ قيام الجمهورية الإسلامية، قامت على مبدأ:
“قول لا في وجه الهيمنة هو قمة السيادة.”
الصراع مع الكيان وجودي وعقائدي: لا اعتراف، لا تعايش، ولا شرعنة.
إيران الشاه ليست إيران الإمام، ومن يخلط بينهما لا يفهم طبيعة الصراع.

لماذا لن يُترك سقوط إيران؟
باكستان: سقوط إيران يعني تهديداً مباشراً لأمنها القومي في مواجهة الهند المتحالفة مع واشنطن.
الصين: نظام موالٍ لأميركا في طهران يعني قطعها عن غرب آسيا، وخنق تجارتها.
روسيا: فقدان الممر إلى المياه الدافئة والخليج العربي يعني خنقاً استراتيجياً، خصوصاً بعد تراجع نفوذها في سوريا.
هنا، تصبح الحرب حرب وجود لا حدود، لا نزاعاً إقليمياً محدوداً.

أما عن أسطورة التفوق والحسم العسكري
نعم، التفوق الجوي الأميركي و”الإسرائيلي” موجود.
لكن التاريخ يُثبت أن التفوق الجوي لا يحسم الحروب دون اجتياح بري.
من فشل في فيتنام،
ومن غرق في العراق (2003)،
ومن انسحب مُهاناً من أفغانستان (2021)،
ومن عجز عن الحسم في لبنان وغزة منذ 2006 وحتى اليوم ،
لن ينجح في إيران.
العجز عن الدخول البري يعني:
استنزاف طويل.
كلفة اقتصادية هائلة.
لا نصر… بل تآكل تدريجي.

حتى إن لم تقع الضربة العسكرية الكبرى الآن، فالحرب قائمة، طويلة، متعددة الأدوات.
المحاولات والخطط البديلة ستستمر، إلى أن يُقرع جرس المواجهة الكبرى.
وحينها، لن يكون الصراع بين سلاح وسلاح، بل بين:
كيانٍ مصطنع بلا جذور،
ودولة قائمة على الانتماء، الأرض، والعقيدة.
الزوال هنا ليس وهماً يُباع، بل نتيجة تاريخية تتكرر كلما حاول المصطنع أن ينتصر على الطبيعي.

في صراع الوجود، لا ينتصر من يملك السلاح الأقوى،
بل من يملك المعنى الأعمق…
فالسلاح يصدأ،
أما العقيدة فتبقى.

فاتنة علي_لبنان/سوريا الكبرى