حين تغدو الحرية رصاصة طائشة: من بندقية كنفاني إلى “ترندات” العصر!
فاطمة زوايل_لبنان
“البندقية التي لا ثقافة خلفها تقتل ولا تحرّر”
حين كتب غسان كنفاني هذه العبارة الخالدة، كان مدركًا أن السلاح بلا بوصلة فكرية ووعي أخلاقي يتحول إلى أداة لقطع طريق الحرية بمفهومها العميق وللفوضى لا لشقّ طريق الحرية. رحل كنفاني قبل أن يشهد زمن مواقع التواصل الإجتماعي، حيث تحولت البنادق إلى بنادق بصرية وسمعية.. وهذه أيضًا إن لم تكن خلفها ثقافة حقيقية، فهي تقتل الحقيقة، تغتال الحقّ، وتستعبد الإنسان باسم تحريره.
لا يبالغ من يعتبر أن البندقية استٌبدلت بالمنصة الإلكترونية، والرصاصة بالكلمة والصورة. فنحن نشهد على جيوش من “المؤثرين” يقودون الرأي العام ولا يحملون في جعبتهم سوى “الترند” و”صيحات” مواقع التواصل الاجتماعي وجميعهم يعملون بشكل ممنهج لخدمة جهة سياسية واحدة. هؤلاء يمتلكون أدوات التأثير “البندقية”، لكنهم يفتقرون إلى الثقافة “البوصلة” والنتيجة؟
تشويه ممنهج للوعي، وتقديم الباطل على أنه حق حتى يعجز المتلقّي عن التمييز بين الخطأ والصواب وهنا يكمن الهدف، العبث والتأثير بجيل كامل وتحديدًا على وعيه السياسي والتاريخي ليتحوّل لجيل لا ثقافة له. فالثقافة ليست مجرد قراءة لعدد من الكتب، الجرائد وغيرها، بل هي منظومة متكاملة من القيم والوعي بالسياق، وحين يغيب هذا الوعي تقع المصيبة! فيستطيع حينها “المؤثر” الترويج لأفكار ومعتقدات معلّبة لا تخدم سوى الجهات المموّلة. هذه الحروب الإعلامية ليست بالطبع وليدة هذا الزمن لكنها أصبحت أولى ركائز الاستعمار والهيمنة في العالم.
ولعلّ أبرز تمثلات هذه “البندقية العشوائية” والمستفزّة جدّا تظهر في حركات تحرّر المرأة التي اتّخذت طابعاً شرساً وإقصائيًا في كثير من الأحيان. لقد تحوّلت المطالبة بالحقوق – وهي مطلب نبيل – إلى أداة لتحقيق مآرب سياسية وسوط يُجلد به كل من يغرد خارج السرب، فكيف يمكن أن يٌرفع شعار “حرية المرأة” وفي الوقت نفسه أن تٌمارس وصاية فكرية على مجموعة أخرى من النساء اختارت نمط حياة مغاير؟ إن الحرية التي لا ثقافة خلفها تتحول إلى استبداد جديد؛ استبداد يُجبر النساء على اعتناق “قالب” واحد للتحرر، وكأن الحرية زيّ موحد يجب أن يرتديه الجميع، ومن ترفضه تُتهم بالرجعية أو تٌصوّر أنها مجبرة على ذلك ويجب تحريرها بالقوّة! اتّبعوا هذه المنهج على مدى سنين حتى وصل بهم الأمر إلى تجريد هؤلاء النساء من حقوقهنّ وكأنهنّ غير مصنفين كنساء وغير مشمولين بـ”حقوق المرأة”. هذه ليست حرية، هذا “تنميط” قسري بثوب تقدمي هدفه تجنيد قضايا حقوق المرأة لأهداف سياسية استعمارية.
فنرى أصواتًا تصدح منادية بحرية المرأة في إيران، وتريد أن تفرض عليها شكلاً واحداً للحياة، شكلًا طبق الأصل عن المرأة الغربية وتحديدًا تلك المعارضة لأي شكل من أشكال المقاومة لاسرائيل وأمريكا! متجاهلين أن الشعوب هي من تقرر مصيرها، وأن الحرية لا تُعلّب ولا تُستورد. وفي المقابل، يصمّ هؤلاء آذانهم وتعمى أبصارهم مثلًا أمام انتهاك حقوق، هتك وقتل نساء فلسطين.
إن الاختبار الحقيقي لأي دعوة للحرية يكمن في شموليتها وعدالتها معنونة بحريّة الاختيار وهنا يسقط القناع، فكيف يستقيم منطق “التحرر” الذي يبكي لقصة امرأة هنا، ويتجاوز عن أشلاء آلاف النساء هناك؟ منطق التحرّر الذي يقفز فوق جثث نساء فلسطين، ويتجاهل الاعتداءات الجنسية والعدد المهول لحالات اغتصاب النساء في غزة، عدا عن عدد النساء الأسيرات في السجون الإسرائيلية المعلن عنه والغير معلن (هنا تكمن الطامّة الكبرى).
كيف يستقيم منطق “التحرّر” الذي يرتكز فقط على تنميط شكل ولباس المرأة في إيران ويتجاهل الأمور الأعمق في سياق الحرية كاختيارالتوجه السياسي والعقائدي وتجاهل حقوق وحتّى وجود كل امراءة موالية للنظام الحالي وأن يصل بهم اتهامها بالإرهاب فقط لانها اختارت دعم الجهة السياسية التي تمثلها!
هذا الانفصام يثبت أن “الحرية” في قاموسهم المعاصر ليست قيمة إنسانية، بل هي أداة سياسية بحت. الحرية التي تقفز فوق جثث نساء فلسطين وتدعو لاستبداد نساء إيران هي حرية مسمومة.
فمن المثير للسخرية أن تتخذ الولايات المتحدة “مهسا أميني” أيقونة للدفاع عن حقوق المرأة في دولة تبعد عنها 10.000 كلم (إيران) بينما “نيكول غودا” قُتلت داخل أراضي الولايات المتحدة فيتم تبرير قتلها! هم في الحقيقة لا يبالون بكلّ ما يخصّ المرأة وحقوقها وحتى لا يبالون بأي نوع من الحقوق الإنسانية أمام مصالحهم السياسية والإقتصادية وهذه الحقوق مع جميع المؤسسات الدولية الإنسانية بالنسبة لهم شمّاعة جاهزة للاستخدام متى استدعت الحاجة لاغتيال هنا واجتياح أو استعمار هناك.
إن ما نعيشه اليوم هو عملية “غسل أدمغة” ناعمة وذكية. لقد تم اختطاف المصطلحات؛ فصار الانحلال حرية، والالتزام بالقضايا المشرّفة تخلّفاً، والدفاع عن الهوية انغلاقاً. يجب أن تكون أولى الحريات هي تحرر العقل من التبعية، والقدرة على الاختيار بوعي كامل والتمييز بين ما يتم تصديره لنا من أنماط حياة (تخدم الغرب سياسيّا واقتصاديًّا) وبين ما نحن بحاجة له كشعوب وما نبتغيه حقّا. فلو كان كنفاني بيننا اليوم، لربما أعاد صياغة عبارته ليقول: “الحرية التي لا وعي خلفها، تستعبد ولا تحرر”. نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار للثقافة – ثقافة الحق، والعدل، والإنسانية غير المجتزأة – لتكون هي اليد التي تمسك ببندقية الحريات، حتى لا تطلق النار على أقدامنا، أو في صدورنا.
