فلسطينُ من السلطُ.. والسلطُ قلب فلسطين وقد أهدت للعروبة سرّها وشكلها!

الياس فاخوري
كاتب عربي أردني

فلسطينُ من السلطُ، والسلطُ قلب فلسطين وقد أهدت للعروبة سرّها وشكلها! لفلسطين من السلطُ كل أحرفها والعروق (كل احرفها بعد “ال” التعريف، طبعاً)، والسلطُ تسكن فلسطين باحرفها والعروق!

تسألني عن السلطُ يا ولدي؟
ماذا أحدث عن السلطُ يا أبتي؟
مليحة عاشقاها: المجدُ والكرمُ

نعم، لو اصطفت كل حروف الجر وأدوات النصب والجزم والتسكين امام السلطُ، لبقيت السلطُ مرفوعةً عصيةً على الكسر تقاوم كل قوى البغي والطغيان. السلطُ مرفوعةٌ ضمَّاً اذ “تضم” نابلس توأمةً وكل فلسطين من النهر الى البحر بقوميتها العربية .. ف”السلطُ تمنح للعروبة زهوها” كما قال معلمي واستاذي وزميلي الدكتور الشاعر “محمد العطيات”، عاشق السلطُ من “طف يوشع” الى “ذرا البلدان”:

“السلطُ تمنح للعروبة زهوها//تستقبل الأحرار بالاحضان
دين العروبة والتسامح دينها//في السلطُ دين الله لا دينان
تتناغم الأديان فوق فضائها//في قرع أجراسٍ وصوت اذان
ما بين اهل الضفتين ترابط//كتلاحم الشريان بالشريان”

اما ابن فلسطين الشاعر، والسياسي، والدبلوماسي الأردني، “حيدر محمود” فيقول:

“ومـــا أنـَا مِنْ بنيـــها غيرَ أنــي//ككل العاشقيــــن لِيَ انتسابُ
لقد أنجبتِ يا “سلطُ” المعالي//هضابـًا لا تـُطاولُها هضـــــابُ
وكان بنــــوك ِمطلعَ كلِّ فـَجْر//ومُبْتـَدَأ الضُّحى كانَ الشبابُ
ستذكرُ مجدَكِ العالي الليالي//بأنكِ للهدى والنور بابُ
وأنكِ أبْجَـدِيـَّـتـُنا ولولا//عروقُ يديكِ ما عَلـَتِ القبابُ
أيا “سلطُ” الجباه السُّمْر ِ تيهي//على الدنيا بمَنْ حضروا وغابوا”
وهنا، لا بد من “رفعت الصليبي”، شاعر من “السلطُ” وابن أول نائب لأول مجلس تشريعي في البرلمان السوري عن لواء البلقاء/السلطُ قبل أن تأخذ سايكس بيكو طريقها الى التنفيذ العملي!
يشير “الصليبي” الى كل فلسطين قائلاً:
هناك بذلك العلم//منازلنا من القدم
هنــاك كـان لـي أهـل// وأصــــحاب وجيـــران
هنالـك كـان لـي أمـل// وأفــــراح وأحـــزان
ترى عيني مرابعها//ولا تسعى لها قدمي
سأقدم حاملآ كفني//لأرفع راية الوطن
فـان مـت شـهيد الحـق// والإخلاص للســــــــكن
فحطوا في العلى جدثي//وفوق شوامخ القنن
نعم ستسعى – يا ابن السلطُ الأبية – أقدامنا لتلك المرابع ونعود لمنازلنا التي باعها “سمسار وخوان” بعد أن “يحطم الأحرار قيود الذل والعار” .. نعم “ستقضون على الباغي” وتغسلون آثاره “بالدم القاني” حتى لا يبقى الوطن “ملاذا لحثالة الأمم” فيعود اليه “بنوه الصيد أهل الجود والكرم” .. نعم “ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ۖ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ” فوجود اسرائيل = ديمومة النكبة .. وازالة اسرائيل = ازالة النكبة!
اما شهداء الحق والاخلاص للوطن فتعجز الموسوعات عن احصائهم (عدداً واسماءَ) وقد حطّت على العلى اجداثهم، وارتقت فوق شوامخ القنن .. ومن شهداء هذا الحق “علي يوسف العبويني” (1890- 1936)، أحد أبرز شهداء الأردن من مدينة السلطُ، والذي ارتقى في فلسطين (قضاء نابلس) خلال ثورة فلسطين الكبرى. ويُعرف العبويني في الوجدان الوطني الأردني بموقفه البطولي عندما باع مطحنته في السلطُ لشراء السلاح ودعم الثوار.
ولأن التاريخ لا يتقن النسيان، فلنذكر كيف استعاد الأردنيون اراضيهم في جلعاد/السلط ُوالبلقاء، ووادي جرش حيث أقام اليهود ثلاث مستوطنات وحاولوا شراء المزيد من الاراضي نحو أحلام ظنّوها مستدامة باستقدام ألمزيد من اليهود وباستدعاء بعض الأساطير التوراتية عام 1870 .. اما الاردنيون فعقدوا العزم على المقاومة وإلاطاحة بالاستيطان الصهيوني فكان اجتماع القبائل الأردنية في صيف عام 1876 برئاسة الشيخ “كايد مفلح عبيدات – أبو كايد” واجماعهم على المقاومة وطرد اليهود الصهاينة .. وعليه هاجم الأردنيون من رجال الله في الميدان المستعمرات اليهودية الثلاث حول السلطُ بما تيسّر من أسلحة خفيفة ثم أحرقوها تطهيرا للمكان وتنقية له من الدنس الذي أصابه. عندها وبالاستناد لمنطق القوة والمقاومة و”طوال القنا” هذا، قام رجالات العشائر هؤلاء بتحذير الصدر العثماني الأعظم من هجرة اليهود إلى ألمنطقة او استملاكهم للأراضي فيها .. ومن المعروف ان كايد مفلح العبيدات ارتقى كأول شهيد أردني على أرض فلسطين عام 1920، وكان أحد قادة الحركة الوطنية الأردنية التي تنبهت للخطر الصهيوني ورفضت وعد بلفور وناهضت استيطان اليهود في فلسطين.
اذن، “ما بين اهل الضفتين ترابط//كتلاحم الشريان بالشريان” .. وتبقى فلسطين هي البوصلة رغم استمرار محاولات التعمية الاستراتيجية بالتوظيف الانتفاعي للدين والتلاعب بالطائفبة من “اخوان من طاع الله” الى “دعونا نصنع لهم إسلاماً يناسبنا” فطالبان والقاعدة وداعش وجبهة النصرة فهيئة تحرير الشام والجذور والمشتقات والشقيقات .. فلسطين هى ام التاريخ والجغرافيا، أما “اسرائيل” فطارئة على التاريخ وعلى الجغرافيا!

ببساطة، يرتكز وجود “اسرائيل” الى وعلى سرقة ومصادرة الأرضِ الفلسطينية وطرد الشعب الفلسطيني وهذه هي النكبة .. وها هو الرئيس الأمريكي السابق بارك أوباما يعلنها بالامس القريب:
“لا يمكن إنكار أن اليهود انتزعوا أراضٍ من أصحابها، وتجاوزوا الحدود في أفعالهم، ومن الطبيعي أن يقول الفلسطيني هذا ظلم، وأريد استعادة أرضي.”
إذن وجود “اسرائيل” هو المرادف الطبيعي للنكبة الفلسطينية .. وعليه فان ازالة النكبة ومحو اثارها يعني بالضرورة ازالة “اسرائيل” ومحوها من الوجود – لا تعايش، نقطة على السطر!
قالتها ابنة السلطُ المفكرة القومية العربية الاردنية (ديانا فاخوري) منذ نيف وعقد من الزمان: “اسرائيل” الى زوال – كما على ثرى فلسطين وقلبها “السلط”، كذلك في السماء: لا اسرائيل التلمودية التوراتية، ولا اسرائيل الكبرى او الكبيرة، ولا اسرائيل العظمى او العظيمة، ولا “يهودا والسامرة”، ولا 78% من فلسطين التاريخية .. ولا “اسرائيل” المقدسة ولا امريكا المقدسة .. لا الولايات المتحدة الإبراهيمية ولا الولايات الإبراهيمية المتحدة — هي، في كلتا الحالتين، “الويلات المحتدة” .. والمقاومة هم شعب الله المختار، وهم اصحاب القرار على ارضهم .. وخير لدولة الكيان وأمريكا (حيث تبيّن أن “اسرائيل” أصبحت عبئاً على الاستعمار الأميركي لا سيما في ظلّ معادلات قوة وقوى عالمية وإقليمية تتشكل الآن) ان تقبل بإعلان “الجمهورية العربية الفلسطينية” المستقلة على 46 % من مساحة فلسطين التاريخية بعاصمتها القدس الشريف على أساس حل الدولتين والعودة الواحدة تنفيذاً للقرارين الأمميين 181 و194 (وهما شرط قبول عضوية “اسرائيل” في الأمم المتحدة أصلاً) .. وعليه، لا تتعدى مساحة دولة الكيان (سَمِّها ”اسرائيل الصغرى”) 54% من مجموع مساحة فلسطين البالغة 27027 كم2 — وإلّا، فالحل بالعودتين والدولة الواحدة!باختصار أُكرر، هو حل الدولتين والعودة الواحدة (تكتيكياً)، وحل العودتين والدولة الواحدة (استراتيجياً)!
واختم ب”عبد لكريم الكرمي” (أبو سلمى – زيتونة فلسطين)، ابن فلسطين الذي درس في مدرسة السلطُ الثانوية، حيث يقول:

فِلَسْطِينُ الحَبِيبَةُ كَيْفَ أَحْيَا//بَعِيداً عَنْ سُهُولِكِ وَالهِضَابِ؟
غَدًا سَنَعُودُ وَالأَجْيَالُ تَصْغَى//إِلَى وَقْعِ الخُطَا عِنْدَ الإِيَابِ
نعم، ان السماء تُرجى حين تحتجب، وستحبل يوماً من إرعادنا السحب، وسيرى الجمع بارقنا!
فلسطينُ من السلطُ، والسلطُ قلب فلسطين، وعلى ثراها الطاهر نفرش الدمَ والهدبَ .. وكما زينب، كذلك نحن “ما رأينا الا جميلا” .. والله (ﷻ) هو المقاوم الاول بحسنى أسمائه وكمال افعاله وله كتائبه وحزبه وانصاره .. والمقاومة، بعيونها الخمسة، ترسم الواقع وتصنع المصير!
الدائم هو الله، ودائم هو الأردن العربي، ودائم هو لبنان بجنوبه، ودائمة هي فلسطين بغزتها وقدسها و”الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ” ..
سلام الأقصى والمهد والقيامة والقدس لكم وعليكم تصحبه انحناءة إجلال وإكبار وتوقير لغزة واهلها ولجبهة المقاومة بنصرهم الدائم .. الا أنكم أنتم المفلحون الغالبون ..