يشهد الموقف الجيوسياسي والعسكري في منطقة الخليج العربي ومضيق هرمز تحولات استراتيجية عميقة تعيد صياغة قواعد الاشتباك بين القوى الإقليمية والدولية. وفي هذا السياق، تظهر التقارير الميداني حول حادثة ناقلة النفط في جنوب المضيق، إن هذه التطورات هي انعكاس لصراع إرادات أوسع يدار بحنكة ودقة عالية.
أولاً: دلالات التوقيت والمكان: مضيق هرمز شريان سيادة لا ممر هيمنة
يُعد مضيق هرمز الممر المائي الحساس الذي تمر عبره نسبة معتبرة من إمدادات الطاقة العالمية. لا يمكن التعامل مع هذا المضيق بمعزل عن حالة المواجهة الشاملة مع السياسات الأمريكية والغربية التي تسعى لفرض الحصار والعقوبات الاقتصادية الخانقة على دول المنطقة المقاومة، وعلى رأسها الجمهورية الإسلامية في إيران.
السيادة الميدانية: إن أي تحرك عسكري أو أمني في المياه الإقليمية والمجاورة لمضيق هرمز يثبت قدرة إيران وقوى محور المقاومة على فرض معادلات ردع صارمة، تجعل من تكلفة أي مغامرة عسكرية أمريكية أو غربية باهظة للغاية.
إدارة التصعيد: إن إثارة الحديث عن “الألغام البحرية” – سواء كانت موجودة بآليات تفجير ذكية ومبرمجة كما تملك الترسانة الإيرانية المتقدمة، أو كانت نتيجة استهداف دقيق بنقاط محددة – يعكس حالة من الغموض الإستراتيجي الذي تتقنه القوات المسلحة الإيرانية لإرباك حسابات الخصم وإبقائه في حالة استنفار مستمر.
ثانياً: البعد النفسي والاقتصادي: الحرب المعنوية ضد الملاحة البحرية للاحتلال وأعوانه
تشير التقارير الواردة إلى نقطة بالغة الأهمية تتعلق بـ “تراجع رغبة البحارة والشركات في المرور عبر المضيق”. لذا تكتسب هذه الحرب النفسية أهمية موازية للأعمال العسكرية المباشرة:
«إن مجرد تلويح طهران بوجود خطر الألغام أو التهديدات البحرية – بمعزل عن التفاصيل التقنية للحادث – يحقق هدفاً استراتيجياً بعيد المدى يتمثل في رفع كلفة التأمين البحري وزيادة منسوب القلق لدى القوى المعادية وشركائها.»
شلل الإمدادات: لقد أثبتت التجارب الميدانية أن تعطيل أو تقييد حركة الملاحة المرتبطة بالكيان المؤقت (الإسرائيلي) أو بالدول الداعمة له في معركة طوفان الأقصى وما بعدها، يشكل ضغطاً اقتصادياً هائلاً لا يمكن للدول الغربية تحمله على المدى الطويل.
الأمن مقابل الأمن: رسالة محور المقاومة واضحة وثابتة: “إما أمن للجميع وازدهار للمنطقة، أو لا أمن ولا استقرار للطاقة العالمية”. فسياسة الحصار والاختناق الاقتصادي المفروضة على شعوب المنطقة سيقابلها حتماً زعزعة في أمن خطوط إمداد الطاقة التي تتغذى منها المنظومة الغربية.
ثالثاً: التطور التكنولوجي والعسكري: هندسة الردع الذكي
بغض النظر عن الجدل الدائر حول ما إذا كان الانفجار ناتجاً عن لغم بحري ذكي (قادر على التمييز عبر بصمات الضوضاء والمحركات) أو عن ضربة دقيقة بطائرة مسيرة أو صواريخ موجهة استهدفت المؤخرة فوق خط الماء، فإن الترسانة العسكرية لمحور المقاومة أثبتت تطوراً نوعياً يفرض وقائع جديدة:
.1 القدرات البحرية المتقدمة: تمتلك إيران ترسانة واسعة من الألغام البحرية الذكية والمتحركة القادرة على شل حركة أي سفينة معادية دون الحاجة لتواجد مكثف للقطع السطحية.
.2 التكامل بين الساحات: إن الضغط الممارس في مضيق هرمز يتقاطع تكتيكياً مع جبهات الإسناد الأخرى في اليمن (البحر الأحمر وباب المندب)، لبنان، وفلسطين، مما يؤكد وحدة الساحات وتكامل الأدوار ضمن استراتيجية استنزاف شاملة للعدو الأمريكي-الإسرائيلي.
رابعاً: التداعيات على أسواق الطاقة العالمية (سلاح الاقتصاد الحاسم)
لم تعد خطوط إمداد الطاقة مجرد شريان اقتصادي عالمي، بل أصبحت خاصرة رخوة للمنظومة الغربية وحلفائها، حيث يمكن لحدث أمني صغير في مضيق هرمز أن يحدث زلزالاً في الأسواق المالية العالمية:
تفكيك وهامشية “العقوبات الغربية”: عندما تفرض الولايات المتحدة والدول الغربية حصاراً ونشاطاً عقابياً على صادرات النفط الإيرانية أو على الدول المناهضة للهيمنة، فإن إرباك الحركة في مضيق هرمز يرفع أسعار النفط عالمياً. هذا الارتفاع يعوض إيران ومحور المقاومة عن حجم التضييق، بينما يكبد الدول الغربية المستوردة تكاليف باهظة، مما يجعل سلاح العقوبات الغربي سلاحاً ذو حدين ينعكس سلباً على صانعيه.
حرب “تأمين مخاطر الملاحة” (Maritime War Risk Insurance): ليس شرطاً إغلاق المضيق عسكرياً بالكامل لتحقيق شلل الملاحة؛ إذ يكفي رفع «أقساط مخاطر الحرب» من قبل شركات التأمين البحرية العالمية. فمجرد تكرار حادثة استهداف أو انفجار لغم ذكي يجعل نفقات شحن برميل النفط تتضاعف بشكل غير قابل للاستمرار بالنسبة لشركات الملاحة الغربية، مما يدفع التجارة العالمية نحو حالة من الفوضى والتباطؤ دون حاجة لإعلان حرب شاملة.
خامساً: التداعيات على السياسة العسكرية الأمريكية في الخليج (مأزق الانتشار والعجز عن الردع)
أن التحركات العسكرية الأمريكية في الخليج العربي ومحيط مضيق هرمز باتت تعاني من عجز استراتيجي بنيوي، يظهر جلياً في الأبعاد التالية:
سقوط مفهوم “الحماية الأمريكية المجانية”: لطالما سوّقت واشنطن وجود أسطولها الخامس وقواعدها العسكرية في الخليج على أنها الضامن الأول والأخير لأمن الملاحة وحماية حلفائها الإقليميين. وعندما تعجز هذه القواعد والقطع البحرية الضخمة عن منع ضربة مسيّرة أو انفجار لغم ذكي يستهدف ناقلة في الممر الضيق، تتهشم صورة “المظلة الأمنية الأمريكية”، وتجد الدول الإقليمية نفسها أمام حقيقة أن الاعتماد على واشنطن هو رهان على سراب.
مأزق “الحرب الأسيمترية” (غير المتناظرة): إن تكلفة تشغيل بارجة عسكرية أو حاملة طائرات أمريكية لتأمين الممر المائي تبلغ ملايين الدولارات يومياً، بينما يمكن ردعها أو إشغالها بزورق مسيّرة، أو لغم بحري مبرمج ذكي، أو صاروخ باليستي منخفض التكلفة. هذا اللاتناظر العسكري يضع القيادة العسكرية الأمريكية (CENTCOM) في حالة استنزاف دائم، ويجعل من فكرة “تأمين كل سفينة” أمراً مستحيلاً عملياً ولوجستياً.
الخلاصة
إن ما يشهده مضيق هرمز ليس سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من معارك كسر الإرادات. فمن خلال المزج المتقن بين الردع التقني، والغموض الاستراتيجي، والضغط الاقتصادي والنفسي، ينجح محور المقاومة في إعادة رسم قواعد اللوحة الإقليمية، مؤكداً أن زمن الهيمنة الغربية المطلقة على بحار وممرات المنطقة قد ولّى بلا رجعة، وأن الرسالة باتت جليّة: إما أن تنعم شعوب المنطقة بالاستقرار والتنمية وتتوقف الحروب والحصار، وإما أن تكتوي العواصم الصناعية الغربية بلهيب أزمات الطاقة وتأكل الحرب الهادئة اقتصاد المعسكر المعادي.
د. نبيلة عفيف غصن
