تمثل الورقة التي قدمها الجنرال تامير هايمن، رئيس معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، بتاريخ 12 تشرين الأول/أكتوبر 2026، وثيقة تفكير استراتيجي بالغة الخطورة والعمق. إنها لا تقتصر على كونها ورقة نقاش عسكرية بحتة، بل هي إعلان ضمني عن إعادة صياغة جذرية للهوية الوطنية الإسرائيلية وتأسيسٍ لعقيدة أمنية جديدة تكسر القوالب الكلاسيكية التي نشأت عليها دولة الاحتلال منذ عقود.
​وفي المقابل، وعند إسقاط هذه التحولات على الواقع العربي الراهن، يتكشف مشهد مأساوي يضع سلطات الدول العربية وجهاً لوجه أمام مرآة عوراتها البنيوية؛ حيث لا تقتصر مأساة دول العالم العربي على شراسة المشروع الصهيوني وتطرفه، بل تتكئ في جزء كبير منها على الأدوار الوظيفية والسياسات القاصرة التي تمارسها الأنظمة الرسمية العربية، والتي تسهم بوعي أو بغير وعي في تقويض مفهوم الدولة الوطنية وتسهيل انهيار سيادتها من الداخل.
​أولاً: تشريح التحول في العقيدة الإسرائيلية الجديدة
​يضع هايمن أصبعه على جرح عميق في البنية الفكرية الاستراتيجية لإسرائيل بعد صدمة السابع من أكتوبر 2023. هذا التحول لا يتمظهر فقط في تكتيكات الميدان، بل يضرب في عمق المستويات الثلاثة الحاكمة لأي كيان سياسي: الهوية الوطنية، ومفهوم الأمن، وسياسة الأمن.
​إن الانتقال من “دولة اليهود والديمقراطية” بمظهرها الليبرالي التقليدي إلى أولوية الهوية الدينية العرقية البحتة، يعكس نزوعاً نحو الفاشية البنيوية التي تعبر عن نفسها في إلغاء الآخر ورفض أي تسوية تاريخية. كما أن اعتبار “السلام” مجرد وسيلة تكتيكية ومؤقتة وليس غاية استراتيجية، ينسف كل الأوهام الدبلوماسية التي روج لها البعض عبر عقود.
​ولعل أخطر ما تطرحه هذه العقيدة الجديدة هو التعامل مع الدول العربية بوصفها كيانات مصطنعة ومؤقتة يمكن إدارتها أو استغلال تفككها، واعتبار الحرب حالة وجودية دائمة لا استثناءً مؤقتاً، فضلاً عن السعي نحو الاستقلال الصناعي والتكنولوجي وقطع التبعية المفرطة لأي مظلة خارجية قد تتقاطع مع الهوية اليهودية الصرفة. هذا النسق الإسرائيلي الجديد، مهما حمل من بذور أزمات داخلية وتناقضات وجودية، فإنه يعكس إرادة صلبة للتكيف الهجومي والاستمرار في فرض الهيمنة الإقليمية بالقوة الخالصة.
​ثانياً: مرآة العجز العربي.. كيف تساهم السلطات في انهيار سياداتها؟
​حين ننتقل من قراءة عقيدة الخصم إلى تفحص السلوك السياسي والعسكري والاقتصادي لسلطات الدول العربية، يتضح بجلء كيف تتسق ممارسات هذه الأنظمة مع الفرضية الإسرائيلية القائلة بأن المنطقة لا تحوي دولاً قومية حقيقية، بل كيانات هشة قابلة للتفكيك. إن انهيار السيادة الوطنية في العالم العربي ليس مجرد تداعٍ خارجي، بل هو مسار طويل من التآكل الذاتي الذي قادته السلطات الحاكمة عبر عدة محاور بنيوية:
​بينما تعزز إسرائيل هويتها القومية والعرقية والدينية بصلابة –حتى وإن كانت استعمارية إقصائية– عملت السلطات العربية طوال عقود على طمس مفهوم الهوية الوطنية الجامعة وتفريغه من مضمونه لصالح الولاءات الفرعية (الطائفية، العشائرية، والمناطقية). لقد استثمرت الأنظمة الاستبدادية في تغذية الانقسامات الداخلية لضمان استمرار بقائها في الحكم، مما جعل الجسد العربي هشاً ومخترقاً، ومصدقاً عملياً للفرضية الاستراتيجية الإسرائيلية بأن الدول العربية مجرد تجمعات قبلية وعرقية لا تمتلك مشروعاً وطنياً تأسيسياً.
​في الوقت الذي تطرح فيه العقيدة الإسرائيلية الجديدة ضرورة الفكاك التدريجي من التبعية العمياء للقوى العظمى وبناء استقلال صناعي وتكنولوجي ذاتي، ترتهن غالبية سلطات الدول العربية كلياً لمظلات الحماية الأجنبية. إن سيادة العديد من الدول العربية مجرد سيادة ورقية على الخرائط، بينما القرارات السيادية والاقتصادية والأمنية تُتخذ في عواصم القرار الدولي أو الإقليمي. هذا الارتهان لا يحمي النظم بقدر ما يفرغ الدولة من مقومات بقائها، ويجعلها أدوات وظيفية تدير مصالح القوى الكبرى على حساب شعوبها ومقدراتها.
​أهملت السلطات العربية بناء قاعدة إنتاجية وصناعية وتكنولوجية حقيقية، واكتفت باقتصادات الريع والاستهلاك التي تربط حبل سرتها بالأسواق العالمية وسلاسل التوريد الخارجية. تراجع الإنفاق على البحث العلمي والتطوير التكنولوجي، وغابت الرؤية الاستراتيجية لتوطين الصناعات الدفاعية والمعرفية. وفي حين تعتبر إسرائيل تفوقها التكنولوجي والعلمي عماداً لأمنها القومي، فإن السياسات الاقتصادية العربية غالباً ما كرست التخلف البنيوي وفتحت الباب واسعاً أمام التبعية المطلقة، وصولاً إلى استنزاف الكفاءات وهجرة العقول التي تفرغ الأوطان من طاقاتها الحية.
​4. توظيف المؤسسات العسكرية والأمنية للبطش الداخلي لا الردع الخارجي
​منذ الاستقلال الشكلي للعديد من الدول العربية، جرى تحويل الجيوش الوطنية ومؤسسات الأمن من أدوات لحماية الحدود والدفاع عن السيادة الوطنية في مواجهة التهديدات الخارجية (وفي مقدمتها الكيان الصهيوني)، إلى أداة مركزية لقمع الشعوب وحماية عروش الحكام واستمرارية النظم. لقد تم تقليم مخالب هذه الجيوش وتكبيلها بقيود سياسية واستراتيجية تمنعها من امتلاك قرار الردع الحقيقي، بينما أُطلق سراح أجهزتها الأمنية للبطش بالمعارضين وإسكات الأصوات الحرة، مما أدى إلى شرخ عميق بين الشعوب ومؤسسات دولتها.
إذا كانت العقيدة الإسرائيلية تنظر إلى اتفاقيات السلام باعتبارها مجرد أدوات تكتيكية ومؤقتة لا قيمة استراتيجية جوهرية لها، فإن معظم السلطات العربية ذهبت في الاتجاه المعاكس تماماً؛ إذ حولت “السلام” والتطبيع المجاني مع الاحتلال إلى عقيدة سياسية وبديل وهمي عن بناء القوة الذاتية والمناعة الوطنية. لقد تصورت هذه الأنظمة أن الارتباط بالمظلة الإسرائيلية-الأمريكية يضمن بقاءها، متجاهلة حقيقة أن من يتخلى عن سيادته وحقوقه التاريخية لا يكتسب حماية حقيقية، بل يتحول إلى تابع بلا أوراق قوة، يهتف بسلام وهمي بينما تلتهمه آلة التوسع الاستيطاني والعسكري الإسرائيلي.
​خاتمة: بين صلابة المشروع الاستعماري وهشاشة التبعية الرسمية
​إن قراءة وثيقة الجنرال تامير هايمن لا يجب أن تُقرأ بمنظور الهلع المجرد، بل بمنظور التحليل الاستراتيجي الموضوعي الذي يكشف عن صراع إرادات قاسي الأركان. إسرائيل، رغم أزماتها البنيوية العميقة وانقساماتها الداخلية، تعيد هندسة عقيدتها الأمنية على أساس صلابة الهوية، والاستقلال الذاتي، والمبادرة الهجومية، وعدم الركون إلى الأوهام الدبلوماسية.
​وفي المقابل، فإن انهيار سيادات الدول العربية لا يمثل قدراً محتوماً بفعل تفوق الخصم فحسب، بل هو النتيجة الحتمية لسياسات الأنظمة الحاكمة التي فضلت الحفاظ على كراسيها عبر تفكيك دولها من الداخل، والارتهان للخارج، وقمع تطلعات شعوبها الحية. إن استعادة السيادة الوطنية والكرامة الاستراتيجية في العالم العربي لن تتحقق إلا عبر ثورة مفاهيمية وبنيوية شاملة، تعيد الاعتبار للإنسان في العالم العربي، وتبني دولة القانون والمؤسسات، وتحرر القرار السياسي والعسكري من أسر التبعية والوهن، لتدرك أوطاننا أن السيادة لا تُمنح ولا تُقايض، بل تُنتزع وتُحمى بالوعي والعمل والقدرة الذاتية.
د. نبيلة عفيف غصن