تشهد جبهة تعز تطورات ميدانية متسارعة تعكس التحولات الاستراتيجية في المشهد اليمني العام، حيث تسير العمليات العسكرية للجيش واللجان الشعبية وفق حسابات دقيقة توازن بين التقدم المدروس واختراق التحصينات التي أقامتها قوى التحالف السعودي-الإماراتي على مدار سنوات الحرب الطويلة. إن محاولة قراءة هذه العمليات بمنظور السطح العسكري التقليدي، كما تحاول بعض التقارير الميدانية تصويرها عبر وصفها بـ”قوانين الفيزياء” أو تباطؤ وتيرة التقدم، تتجاهل الطبيعة المعقدة للميدان اليمني، وتتغاضى عن كون التموضع الحالي يمثل مرحلة تمهيدية ضاغطة تسبق حسم المعركة الكبرى في مدينة تعز.
فعلى المحور الغربي، تمكنت القوات اليمنية من السيطرة على مناطق جبلية حاكمة وبلدة خزران، مقتربة بمدى ناري مباشر من مواقع اللواء 35 مدرع المحسوب على قوى التحالف، والذي يعاني من حالة إنهاك هيكلي وتآكل في البنية القتالية. وفي المحور الشرقي، أدى التقدم نحو طباشي ولوزام إلى السيطرة على عقدة استراتيجية من المرتفعات التي كانت تتحصن فيها عناصر اللواء 22، مما أحدث تباخراً في خطوط دفاعات قوى الوصاية التي باتت تشهد تدافعاً ميدانياً وتبادلاً للسيطرة يعكس عجزها عن تثبيت جبهة دفاعية صلبة. أما في المحور الجنوبي، فقد عززت القوات مواقعها انطلاقاً من الأقروض ونجد القسيمة والمصرة، في خطوة تكشف عن وعي تكتيكي عالٍ يهدف إلى رص الصفوف ومنع تشتيت الجهد العسكري على مساحات واسعة، بالتوازي مع التقدم الملحوظ في الجهة الشمالية حيث أصبحت خطوط التماس على أطراف المدينة تمثل طوقاً محكماً.
إن التوقف النسبي للتقدم داخل الأحياء المكتظة لمدينة تعز لا يعبر عن عجز بقدر ما ينم عن إدراك لطبيعة المعارك الحضرية التي تتطلب هندسة عملياتية مختلفة عن تلك التي أدارتها القوات في المرتفعات والمناطق الجبلية المفتوحة. فالمقاتل اليمني الذي أثبت جدارة استثنائية في قهر جغرافية الجبال القاسية، يواجه اليوم تحدي الانتقال إلى حرب المدن المعقدة، وهي معركة تتطلب تفكيك شبكات الدفاع المجهزة مسبقاً وتأمين الحاضنة الشعبية وتفادي الألغام والكمائن التي تعتمد عليها الفصائل المرتبطة بالرياض وأبوظبي لتعويض الانهيار المعنوي والبشري.
وعلى الرغم من الرهان الدائم لخصوم صنعاء على الطبيعة العمرانية المعقدة لمدينة تعز، إلا أن الواقع الميداني يكشف عن هشاشة بنيوية تعصف بحاميات قوى التحالف هناك. فالألوية المذكورة تعاني من نزيف حاد تمثل في حالات الفرار الجماعي، والتآكل المستمر في الجاهزية القتالية، والانقطاع التام لخطوط الإمداد والتموين الحقيقي، فضلاً عن الصراعات البينية على النفوذ والمال بين أدوات الاحتلال الإماراتي والسعودي في تعز وعدن. هذا الواقع المتهالك يعني حُكماً أن أي عملية عسكرية واسعة النطاق لدخول المدينة ستفقد المدافعين أية ميزة استراتيجية، وستسقط خطوطهم الدفاعية المرتجلة تباعاً تماماً كما تساقطت الحصون الجبلية المحيطة بها.
إن معركة تعز اليوم لا تنفصل عن السياق الأوسع للصراع في اليمن، وهي تمثل حلقة جديدة في مسار تكسير مشاريع التقسيم والوصاية الخارجية. فالقوات اليمنية التي أعادت رسم الخريطة العسكرية للمحافظة تدير معركة استنزاف طويلة النفس، تهدف إلى إنضاج الظروف الميدانية والسياسية للحسم النهائي، بما يعيد إدماج هذه المدينة الحيوية في مسار السيادة الوطنية الكاملة، ويسقط آخر الأوراق الوظيفية التي تراهن عليها قوى الهيمنة الإقليمية والدولية في اليمن.
د. نبيلة عفيف غصن
