مَن المستفيد؟ نحو “مجلس التعاون الموسع” لملئ الفراغ الاستراتيجي وتجميع المعادلات الجيوبوليتيكية والجيواقتصادية والجيواستراتيجية!

الياس فاخوري
كاتب عربي أردني

لنبدأ ب”مَن المستفيد؟” (Cui bono) – وهو صيغةٌ سؤال قضائية رومانية (للقاضي الشهير كاسيوس لونجينوس ربسيلا) ذاع صيتها على يد شيشرون (الخطيب والفيلسوف الروماني الذي استخدمها في عدد من خطبه القضائية والسياسية أمام مجلس الشيوخ الروماني). وقد خلّدها تاريخيّاً لينين من خلال مقاله المنشور عام 1913 في صحيفة “برافدا” حول المجتمع الروسي، بعنوان “مَن المستفيد؟”. وعلى مدى قرون، ظلّ هذا السؤال نقطةَ انطلاقٍ لتقييم الخيارات الاستراتيجية. وكثيراً ما شكّل استشرافُ العواقب غير المقصودة معياراً ضابطاً لكبح جماح النوايا المفرطة في الطموح لدى بعض القادة المتهورين!
ولنذكر (بضّرٍّ وضيرٍ، لا بخير) ان اتفاق سايكس-بيكو عام 1916 لم يكن مجرد صفقة، بل كان رسمة خبيثة أُنجزت بأقلام أجنبية فوق خريطة لم تكن ملكهم .. لم تكن مجرد خطوط رُسمت على خريطة، بل كان المشروع في أثره السياسي والتاريخي أوسع من ذلك حيث تحولت سايكس-بيكو مع مرور الزمن إلى رمز لفكرة التجزئة الخبيثة التي حكمت، بل مزَّقت، المنطقة الحديثة ونشرت ثقافة التفرقة والفتنة والكراهية ! ف”من المستفيد؟”! ثم ماذا عن “الشيطنة”، والمكارثية المستجدة؟
انه طمع المستعمرين في الجغرافيا يتصدى له التاريخ والمقاومة فقد جاء السابع من اكتوبر ليكسر جغرافيا سايكس-بيكو بعقيدة وحدة الجبهات وتزامن حركتها لتتوقف الحدود عن أن تكون حدودًا للقضية.

لنعد الى السؤال القضية: “من المستفيد؟”
حروب وطنية داخلية ومليشيات دخيلة مستأجرة، حروب دينية، حروب طائفية، حروب قبلية، حروب خليجية خليجية، حروب عربية عربية، حروب اثيوبيا/اريتريا والقرن الفريقي، حروب المضائق والممرات، حروب أميركية إسرائيلية على ايران واليمن والعراق، بعد فلسطين بغزتها والمسجد الأقصى وردود مضادة .. أين الاستقرار الإقليمي، أين أمن الطاقة، أين سلامة الممرات البحرية، أين ثقة المستثمر الدولي، واين قدرة الدول على حماية بنيتها التحتية وبيئتها الاستثمارية وجداول تنفيذ مشاريعها التنموية!؟ أين المليارات بل التريليونات من الدولارات التي أُهدرت سلاحاً غير مجدٍ، واستثماراً بائساً عقيماً!؟
“من المستفيد؟” “اسرائيل” وحدها، “اسرائيل” لا غير
(.Israel sola beneficiaria est./Israel sola cui bono est) – حتى امريكا وأوروبا وشعوب العالم من الخاسرين، وهذه مجلة “نيوزويك” توثّق تكلفة الحرب الاميركية على إيران: نحو ألفي دولار لكل أسرة أمريكية! وماذا عن الأُسر في أوروبا والمنطقة؟ وهنا لا بد من العودة لتصريح دونالد ترامب عقب زيارته الأخيرة لبعض بلدان مجلس التعاون، بأنه عاد من هناك بـ 4 تريليونات دولار – مبلغ كفيل بارتقاء منطقة المشرق العربي بكل بلدانها الى مصاف القوى العظمى! ولكن هذه التريليونات وغيرها الكثير الكثير لم تفلح باستقطاب ترامب او البيت الأبيض ليكون معنياً بالأمن الاستراتيجي او بالأمن الوجودي لتلك الدول المانحة — فقط “اسرائيل” وأمنها (بل تمددها وتوسعها) هو محط عناية واهتمام وتكوُّم طائرات الشحن الأميركية والامدادات العسكرية!
وكنت قد أشرت في مقالات سابقة الى الشاعر والكاتب الفيتنامي نغوين دوي هين (Nguyen Duy Hien) الذي وصف الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون، اثر تخليه عن حلفائه في سايغون، بـ”الأب الذي يبيع جلد أبنائه لصانعي الأحذية” – وأضفت أنْ هكذا يبيع ترامب جلد العرب .. وها هو اليوم يبيع رأس فلوديمير زيلينسكي (“زلمتهم” – صناعتهم وصنيعتهم) للقيصر ب”ثلاثين” من الديزل (متجاوزاً بذلك 27,000 عقوبة على روسيا)، ويعلن اتفاقه مع فلاديمير بوتين لتوريد أكثر من 300,000 طن من وقود الديزل فورا الى السوق الأميركية والعالمية غير عابئٍ حتى بالموقف الاوروبي!
والان اعود لما كُنْتُ قد كتبتًُه أاكثر من مرة وكررته منذ بضع سنوات حول الفراغ الاستراتيجي وتجميع المعادلات الجيوبوليتيكية والجيواقتصادية والجيواستراتيجية في وجه “الغضب الصهيوامريكي” ملحميا كان أم أعمى! ، وكيف يمكن ل”مجلس التعاون” الخليجي ان يملأ هذا الفراغ الاستراتيجي اذا اتّسع ليضم العراق واليمن فإيران في المرحلة الاولى لتلحق بهم سوريا ولبنان والأردن وفلسطين ومصر، ومن ثم باكستان (رغم “تأمركها”) وتركيا (رغم “اطلسيتها”) .. ولتكن فلسطين هي البوصلة ولتُدفن الفتنة السنية الشيعية التي افتعلتها أميركا واشعلتها قادسيةً جديدةً باستدعاء “فارسية” ايران و”مجوسيتها” و”شيعيتها” يوم خلعت ايران النجمة السداسية ورفعت محلها العلم الفلسطيني في طهران!

في الخلفية: منذ الحرب العالمية الثانية والهيمنة الأميركية حاضرة خاصة بعد استدارة أيزنهاور بانذاره لوقف العدوان الثلاثي .. ولكن مصر عبد الناصر شكّلت استثناءً مُشرِّفاً، فوقعت هزيمة 1967 ليتسيَّد المشروع الأميركي على المنطقة .. وجاءت انتفاضة 1973 المحدودة بمحاولة حرب لم تكتمل بالتعاون مع الاتحاد السوفييتي فاسترد الأميركي زمام المبادرة من خلال كامب ديفيد التي اكتملت معالمه عام 1979 ضمن سعي جاد لتأبيد السيطرة الأميركية .. ففاجئتهم الثورة الاسلامية في ايران لتقوم أميركا باشعال وادارة الحرب العراقية على ايران لازالة الثورة والقضاء على تأثيراتها (قادسية جديدة بافتعال الفتنة السنية الشيعية) من ناحية، والغزو الاسرائيلي للبنان من الناحية الاخرى بهدف الإطاحة بالمقاومة الفلسطينية، واقامة دولة صديقة لإسرائيل، وبالطبع محاصرة سوريا فتركيا الأطلسي في الشمال و”إسرائيل الحبيبة” في الجنوب .. ثمّ كان ان زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا لقيام ساعة المقاومة التي وُلِدَت بدعم سوري/إيراني وتمكنت من “فرملة” المشروع الصهيوامريكي في لبنان .. وفي العام 2000، اكتملت هزيمتهم وتُوِّجت بالانسحاب من لبنان ليأتي الرد الأميركي بدخول المحافظين الجدد الى البيت الأبيض الذين قاموا باستثمار “Sept 11” لجرِّ أميركا الى المنطقة (حرب أفغانستان 2001، وحرب العراق 2003، وحرب لبنان 2006، وحرب غزة 2008)، كما صنَّعوا الربيع العربي للتلاعب بالأولويات بعيدا عن فلسطين وتحرير الاراضي المحتلة وهذا ما يحدث اليوم في المنطقة.
وتستمر صناعة الأكاذيب والذرائع (False Flags) كأننا نقترب أكثر فأكثر من الليلة النووية!
في محاكاة مفضوحة ل Sept 11, يصل الخداع بمكتب التحقيق الفديرالي (FBI )، بحسب ما نقلت عنه قناة ABC، تحذيره شرطة كاليفورنيا من أن ايران تسعى للرد على أميركا بهجمات مسيرات على الساحل الغربي تارةً وفي واشنطن تارةً اخرى!
هل يمكن أن تكون صناعة الأكاذيب والذرائع بهذ السخافة!؟ الا تذكرون:
1982: حادث محاولة اغتيال سفير الكيان في لندن ذريعة لاجتياح لبنان ..
1988: التضحية بمحمد ضياء الحق والسفير الأميركي رغم عمق العلاقة وغزارة الخدمات ..
1941: مصيدة بيرل هاربر (Pearl Harbor — الميناء والقاعدة البحرية الأمريكية في هاواي) لتقوم اليابان بالهجوم “المباغت” الذي أدّى لمقتل أكثر من 2400 شخص وتدمير أجزاء من الأسطول الأمريكي، مما “اضطر” الولايات المتحدة لدخول الحرب العالمية الثانية رسمياً واحراق هيروشيما وناجازاكي بالنووي!
وها هي طهران تحذّر من “العواقب الوخيمة” للانجرار إلى المؤامرة الأميركية وتؤكد ان هجماتها تأتي في سياق الرد على اعتداءات التحالف “الأمريكي-الإسرائيلي” “دفاعاً عن النفس” ولا تستهدف الدول التي تضم المنشآت الأمريكية .. ويلاقيها في ذلك وزير خارجية سلطنة عمان (بدر البوسعيدي)، والعديد من كبار المفكرين والمحللين السياسيين في امريكا والغرب اذكر منهم على سبيل المثال (لا الحصر) ستيف والت (Stephen M. Walt)، بيرس مورغان (Piers Morgan)، جو كنت (Joe Kent)، وقبلهم تشارلي كيرك (Charlie Kirk)، وبالطبع تاكر كارلسون (Tucker Carlson) ..
نعم، يهدف العدوان الصهيوامريكي لاعادة تشكيل الخرائط كما تريدها اسرائيل، ولتقع المنطقة بين المطرقة والسندان ولتتكبّد ما تتكبّد من خسائر على كافة المستويات اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً وجيواستراتيجياً. انه المخطط الـ “لوسفيري” الذي طالما اشرت اليه وهو يتضمن عدة أهداف استراتيجية للمنطقة، منها إفقار دول الخليج باستنزاف ثرواتها القومية فتراكم الديون والإفلاس!
هل هو تعليلٌ للنفس بالآمال وتفكير رغائبي!؟
لا، ليسى شراءً للأمل على حساب الواقع .. فماذا فعلت وقائع اتفاقيات التطبيع وميثاق ابراهيم!؟ ما خالوه ماءً كان سرابا من دولة أوسلو على حدود 1967 الى “يهودا والسامرة” وضم الضفة وغزة واقتلاع الأهالي وتهجيرهم .. يا لها من “واقعية” تَقَع وتوقِع فلسطين يوم يَهجُرُ اهل الحق الحسام الى الكلام “شكايةً وعتابا” فدنيانا غابةٌ حشدت علينا أراقِماً وذئابا .. وليس لنا، والله، الا ان نلبس لَها ماءَ الحَديدِ مَطارِقاً، وَنجعَل الِالسنة مَخالِباً أَو نيابا، كما نصحنا إيليا ابو ماضي .. دُنيا تَأَلَّقَ أَمسُها في يَومِها، فَلنستَجمَعَ الأَنساب وَالأَحسابا (مجلس التعاون موسّعا) .. من هنا، من آفاقِها سَرى سَناءُ الوَحيِ “يغشى العُصور وَيَغمِرُ الأَحقابا” .. وهذه دعوة مخلصة ل”مجلس التعاون الموسع” ليكتب في سفر التاريخِ “مَجدٌاً يُضاهي مَجدَها الخَلّابا”! و”المجلس” هذا بدأ مجده و”ما شابا” فامل الأمة وديعةٌ في اياديهم .. وهكذا يتعزز التقارب والتعاون بين أركانها فالعَدُوِّ بِبابِهِم ولن تتخاذل أَسيافُهُم و”النَصرُ مِنهُم قابا”!

وكانت قناة “الإخبارية” قد اعادت منذ مُدّة مقطعًا لخطاب سابق للعاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز حين كان أميرًا للرياض يقول فيه: “إن القضية الفلسطينية هي قضية السعودية الأولى” .. وبكل عنفوان يتذكّر الشعب السعودي الملك الراحل فيصل بن عبد العزيز اذ كان حازماً بقوله: “‏لو أجمع العرب جميعًا على أن يرضوا بوجود إسرائيل وبتقسيم فلسطين، فلن ندخل معهم في هذا الاتفاق”!
لا غرو، فالكل يذكر صلافة وعنجهية رئيسة وزراء إسرائيل بعد هزيمة عام 1967 اذ قالت: “إني أشم رائحة بلادي في الحجاز! وهي وطني الذي علي أن أستعيده” .. ومعها يتماهى الكاتب والسياسي الإسرائيلي Avi Lipkin في مؤلفه “Return To Mecca” .. عنوان الكتاب وغلافه يكفي حيث تدخل مكة المكرمة بمسجدها الحرام المبارك وكعبتها المشرفة كما المدينة المنورة ضمن مملكة يهوة! وينسجم هذا الجنون “الاسرائيلي” بالهاجس التلمودي، والجنون الأميركي بالإطباق العسكري على الكرة الأرضية مع مزاعم نتنياهو وبعض القيادات اليهودية حول قرب تحقيق حلم “اسرائيل الكبرى”، ايديولوجياً من النيل الى الفرات، واستراتيجياً من حدود الصين الى ضفاف المتوسط، وبدعم أميركي بانتظار وصول الصراع الأميركي ـ الصيني، حول قيادة العالم، الى نقطة الانفجار!
وبعد، هل نَعْجَب لقيام دول ال “مجلس التعاون الموسع” هذا بالرد على ما يجري في المنطقة باعلان “الجمهورية العربية الفلسطينية” المستقلة بعاصمتها القدس الشريف على أساس حل الدولتين تنفيذاً للقرارين الأمميين 181 و194!؟ لا نَعْجَب، بل نُعْجَب!
امل الأمة وديعةٌ في أياديكم ..فتفكَّروا مقولة الامام علي وقد أُوتِيَتم الحكمة: “إِذَا هِبْتَ أَمْراً فَقَعْ فِيهِ، فَإِنَّ شِدَّةَ تَوَقِّيهِ أَعْظَمُ مِمَّا تَخَافُ مِنْهُ” .. لا وَهَنٌ، ولا ضَعُفٌ، وَلا اسْتَكَانةٌ، “وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ” (آل عمران / 146)!
نعم، هكذا تجمع فلسطين وبها نستجمع الأنساب والأحساب حيث تلتقي المعادلات الجيوبوليتيكية والجيواقتصادية والجيواستراتيجية يباركها سَناءُ الوَحيِ اذ “يغشى العُصور وَيَغمِرُ الأَحقابا” .. وهكذا نهزم “جيوبوليتيكا التوراة”، وحيث الرؤية ـ أو الرؤيا ـ الخاصة باعادة تركيب الشرق الأوسط ليكون عبارة عن شظايا قبلية، واثنية، وطائفية بلاعب واحد، وملك واحد – ذاك الذي اليه يؤول عرش داود! نعم، هكذا ينتهي طريق الجلجلة وقد انتقل قضاء الشرق الأوسط الجديد وقدره الى أيدي “مجلس التعاون الموسع” لتكتبه انتصاراً استراتيجياً قوى الحق والخير والمقاومة ب”مفتاح الدار” بين أيدي أمهات فلسطين ..
وختاماً لنقرأ من سورة “البقرة – 191”: “وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ” .. دعوها نائمة وتجنبوا “لعنة الله”!
فكما زينب، كذلك نحن “ما رأينا الا جميلا” .. والله (ﷻ) هو المقاوم الاول بحسنى أسمائه وكمال افعاله وله كتائبه وحزبه وانصاره .. والمقاومة، بعيونها الخمسة، ترسم الواقع وتصنع المصير!
الدائم هو الله، ودائم هو الأردن العربي، ودائم هو لبنان بجنوبه، ودائمة هي فلسطين بغزتها وقدسها و”الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ” ..
سلام الأقصى والمهد والقيامة والقدس لكم وعليكم تصحبه انحناءة إجلال وإكبار وتوقير لغزة واهلها ولجبهة المقاومة بنصرهم الدائم .. الا أنكم أنتم المفلحون الغالبون ..