بين المحاصصة الداخلية والخضوع للشروط الأميركية وتعطيل القرار الوطني
ليست أزمة إعادة الإعمار في لبنان أزمة نقص أموال فحسب، بل هي أزمة في بنية السلطة وآليات اتخاذ القرار، وفي علاقة الدولة بمواطنيها وبمراكز النفوذ الخارجية. فعندما تتوافر أموال مخصصة للإغاثة وإعادة الإعمار، ثم تتعطل إجراءات صرفها أو استلامها، يصبح السؤال الجوهري: كيف تعجز الدولة عن تحويل الموارد المتاحة إلى حماية فعلية للمتضررين، ومن يتحمل مسؤولية هذا التعطيل؟
إن أخطر ما تكشفه هذه الأزمة هو تحوّل الإدارة العامة إلى متاهة تتوزع فيها الصلاحيات وتتبدد المسؤوليات، فيما يدفع المواطن وحده ثمن الانتظار. وقد لا يحتاج تعطيل القرار إلى رفض معلن؛ إذ يكفي أن تبقى المراسلات بلا جواب، أو أن تتنقل المعاملة بين الإدارات، حتى تتوقف عملية الإنقاذ. لكن خلف هذا الشلل الإداري المحتمل، يبرز سؤال سياسي وسيادي لا يجوز تجاهله: هل تتصرف السلطة اللبنانية وفقاً لحاجات المجتمع وأولوياته، أم تخضع حساباتها لاعتبارات المحاصصة الداخلية والضغوط الخارجية، وفي مقدمتها الضغوط الأميركية؟
أولاً: أموال معلّقة وأسئلة بلا إجابات
تشير المعطيات المتداولة إلى نحو 35 مليون دولار مرصودة في الخزينة العامة، ومنحة عراقية بقيمة 20 مليون دولار، ومبلغ 75 مليون دولار مرتبط بتمويلات أُقرت في سياق مؤتمر باريس، فضلاً عن عراقيل تواجه استخدام أجزاء من قرض البنك الدولي المخصص للتعافي والإعمار.
لكن التدقيق في هذه الأرقام يقتضي التمييز بين الأموال المتاحة فعلياً، والاعتمادات المرصودة، والمنح التي تستلزم استكمال إجراءات قبولها، والتعهدات المشروطة، والقروض المرتبطة باتفاقات وآليات سحب محددة.
لذلك، فإن المطلوب من الحكومة نشر كشف تفصيلي يوضح طبيعة كل مبلغ، وشروط استخدامه، والجهة المسؤولة عنه، والعقبات التي تحول دون صرفه، والمهلة اللازمة لمعالجتها.
فالأموال الموجودة في الخزينة تخضع لقواعد الصرف والاعتمادات، والمنح الخارجية قد تتطلب إجراءات قبول واتفاقات رسمية، أما التعهدات الدولية والقروض فتخضع لشروط خاصة ينبغي تحديدها بدقة. غير أن هذه التعقيدات لا تبرر ترك الملفات معلقة من دون تفسير أو خطة تنفيذية واضحة.
فالأرقام التي لا تقترن بوثائق ومسؤوليات ومهل زمنية تبقى مادة للسجال السياسي، أما الأرقام الموثقة فتتحول إلى أداة للمحاسبة.
ثانياً: المحاصصة والبيروقراطية بوصفهما آليتين للتعطيل
لا يمكن فهم هذه الأزمة بمعزل عن بنية النظام السياسي اللبناني، حيث تتداخل الحسابات الحزبية والطائفية مع إدارة المؤسسات العامة وتوزيع الموارد. وقد يتحول ملف الإعمار إلى مجال للتنافس على النفوذ، والجهة التي تدير الأموال، والمشاريع التي تُمنح الأولوية، والمكاسب السياسية الناتجة من توزيع المساعدات.
هنا تتحول المصلحة العامة إلى ورقة تفاوض، ويصبح الخلاف بين مراكز السلطة قادراً على تعطيل حقوق المواطنين. وبدلاً من أن تُحدد الأولويات وفق حجم الأضرار والحاجات الاجتماعية، قد تتقدم الحسابات السياسية على ضرورات الإنقاذ الوطني.
ولا يعني ذلك أن كل تأخير دليل على فساد متعمد؛ فقد تنشأ بعض العراقيل عن تعقيدات قانونية أو مالية حقيقية. لكن هذه الاحتمالات لا تعفي الحكومة من واجب التفسير والمبادرة وتحديد المسؤوليات.
وتتفاقم الأزمة عندما تتحول البيروقراطية من وسيلة لحماية المال العام إلى ذريعة لتأجيل القرار بلا نهاية. فكل يوم تأخير في إعادة الإعمار قد يعني استمرار أسرة في مسكن غير ملائم، أو بقاء مؤسسة صغيرة خارج دورة الإنتاج، أو ارتفاع كلفة البناء وتراجع فرص العمل.
إن الحل ليس تجاوز الرقابة، بل اعتماد مسار إداري واضح ومحدد المهل، يجمع بين سرعة التنفيذ والتدقيق المالي المستقل. فالدولة التي تستطيع اتخاذ القرارات عندما يتعلق الأمر بمصالح القوى النافذة لا يجوز أن تتذرع بعجزها الإداري عندما يتعلق الأمر بحقوق المتضررين.
ثالثاً: الخضوع للشروط الأميركية وتعطيل القرار الوطني
لا يمكن، في قراءة سياسية نقدية لأزمة إعادة الإعمار في لبنان، إغفال البُعد الخارجي، ولا سيما تأثير الضغوط الأميركية في خيارات السلطة اللبنانية وأولوياتها. فالمسألة لا تتعلق فقط ببطء الإدارة أو تضارب الصلاحيات، بل تطرح أيضاً سؤالاً سيادياً جوهرياً: إلى أي مدى تستطيع السلطة اللبنانية اتخاذ قراراتها وفقاً لحاجات مواطنيها، بعيداً عن الشروط السياسية التي تحاول القوى الخارجية فرضها على خيارات الدولة؟
إن الولايات المتحدة لا تستخدم نفوذها المالي والسياسي في المنطقة بمعزل عن مصالحها الاستراتيجية، وقد ترتبط بعض أشكال الدعم الدولي بشروط إصلاحية أو مالية أو سياسية. ومن هنا، فإن واجب السلطة اللبنانية هو التمييز بين الشروط التي تعزز الشفافية وتحمي المال العام، وتلك التي قد تتحول إلى أدوات ضغط لإعادة توجيه القرار الوطني بما يخدم مصالح خارجية.
وفي هذا السياق، يصبح تعطيل أموال الإعمار موضع مساءلة سياسية إذا ثبت أن السلطة تؤخر استحقاقات إنسانية أو تمتنع عن الاستفادة من تمويل متاح استجابةً لضغوط خارجية، أو تجنباً لإغضاب واشنطن، أو سعياً إلى الالتزام بأجندة سياسية لا تنبع من الأولويات الوطنية. فحين تتقدم حسابات الرضا الأميركي على حاجات المواطنين، لا يعود الأمر مجرد قصور إداري، بل يصبح مسألة تتصل باستقلال القرار الوطني وبمسؤولية السلطة عن حماية المجتمع.
إن الخطر يكمن في أن يتحول التمويل الخارجي من وسيلة لمساعدة لبنان على النهوض إلى أداة لتقييد خياراته، وأن تصبح إعادة الإعمار مشروطة باعتبارات سياسية تتجاوز الغاية الإنسانية المعلنة. لكن إثبات وجود مثل هذا الربط في ملف محدد يستلزم الكشف عن المراسلات الرسمية وشروط التمويل والقرارات المتخذة، لا الاكتفاء بالاستنتاجات العامة.
والموقف الوطني المسؤول لا يقتضي رفض المساعدات الخارجية لمجرد مصدرها، بل يقتضي قبولها وإدارتها وفقاً لمصلحة لبنان، مع رفض تحويلها إلى وسيلة للوصاية السياسية أو الابتزاز. فالسيادة لا تُقاس بالشعارات، بل بقدرة الدولة على حماية حقوق مواطنيها، وتنويع خياراتها، واتخاذ قراراتها وفقاً لأولوياتها الوطنية.
إن السلطة التي تعجز عن تأمين الإغاثة لمواطنيها، أو تترك أموال إعادة إعمارهم معلقة تحت وطأة حسابات خارجية، مطالبة بأن تكشف للرأي العام حقيقة شروط التمويل وحدود تأثير الضغوط الدولية في قراراتها. فلا يجوز أن يدفع المتضررون ثمن صراعات النفوذ، ولا أن تتحول معاناتهم إلى ورقة في مفاوضات تتجاوز مصالحهم وحقوقهم.
رابعاً: التداعيات الإنسانية والاقتصادية
لا تقتصر خسائر التعطيل على المتضررين مباشرة، بل تمتد إلى قطاعات البناء والنقل والتجارة والخدمات، فتتراجع فرص العمل والدخل وتتعمق الأزمة الاقتصادية.
كما يؤدي غياب المعلومات والمعايير الواضحة لتوزيع المساعدات إلى تعميق الشكوك بشأن المحاباة والتسييس، وتقويض ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، فضلاً عن إضعاف ثقة الجهات المانحة بقدرة لبنان على إدارة التمويل وتنفيذ التزاماته.
إن الأموال المخصصة للإعمار ليست أرقاماً في تقارير مالية؛ إنها فرص لاستعادة المنازل ومصادر الرزق، وترميم البنية التحتية، وإعادة تحريك الاقتصاد المحلي. وكل تأخير غير مبرر في استخدامها يفاقم كلفة التعافي ويزيد الأعباء على مجتمع أنهكته الأزمات.
لذلك، لا ينبغي قياس نجاح إعادة الإعمار بحجم الأموال المعلن عنها، بل بما أُنجز فعلياً: المنازل التي أُعيد ترميمها، والمرافق التي استُعيد تشغيلها، والأسر التي حصلت على الدعم، وفرص العمل التي عادت إلى المجتمع.
خامساً: القضاء والرقابة الشعبية في مواجهة التعطيل
يمكن للقضاء أن يشكل إحدى أدوات مواجهة الامتناع غير المشروع عن أداء الواجبات الإدارية، لكن فاعلية التحرك تتطلب تحديد الجهة المختصة، والالتزام القانوني المفروض عليها، والضرر الناتج من امتناعها.
ويمكن، بحسب طبيعة كل ملف وشروطه، بحث مراجعة مجلس شورى الدولة بشأن القرارات الإدارية أو الامتناع عن اتخاذها، أو تقديم إخبار إلى المرجع القضائي المختص عند وجود أدلة جدية على مخالفات مالية أو جرائم تدخل ضمن اختصاصه. غير أن مجرد تأخر الصرف لا يثبت تلقائياً وقوع جرم، كما أن صلاحية القضاء في إلزام الإدارة باتخاذ تدبير معين تخضع للقواعد القانونية النافذة.
لكن القضاء وحده لا يكفي. المطلوب تحرك متكامل يشمل:
الرقابة البرلمانية: مطالبة الحكومة بتقديم أجوبة رسمية عن مصير الأموال والعراقيل التي تحول دون استخدامها، وتحديد المسؤوليات والمهل الزمنية.
نقابات المحامين والمجتمع المدني: إعداد ملفات موثقة ودراسة المسارات القضائية المناسبة، ومتابعة الالتزامات القانونية للإدارات.
الإعلام المستقل: متابعة كل ملف بالأرقام والوثائق، وكشف ما أُنجز وما بقي معطلاً، ومساءلة المسؤولين عن التأخير.
الضغط الشعبي السلمي: تنظيم حملات ووقفات تطالب بجدول زمني معلن للصرف وبمحاسبة المسؤولين عن التعطيل.
والأجدى إطلاق هذه المسارات بالتوازي، من خلال هيئة متابعة مستقلة تضم خبراء ماليين ومحامين وممثلين عن المتضررين والمجتمع المدني، تتولى توثيق الملفات ونشر نتائج المتابعة دورياً.
كما ينبغي أن تتضمن المطالب الرسمية نشر شروط التمويل الخارجي والمراسلات المرتبطة به، بما يسمح للرأي العام بتحديد ما إذا كان التعطيل ناجماً عن عقبات قانونية وإدارية، أم عن خلافات سياسية داخلية، أم عن ضغوط خارجية تؤثر في القرار اللبناني.
خاتمة: لا إعمار من دون استعادة القرار الوطني
إن أزمة أموال الإعمار ليست مجرد خلل إداري؛ إنها اختبار لطبيعة الدولة وقدرتها على حماية مواطنيها واستقلال قرارها. فلا يجوز أن تتحول الأموال المخصصة للإنقاذ إلى رهينة التجاذبات السياسية، ولا أن يصبح الروتين الإداري أقوى من حقوق الناس، ولا أن تضيع المسؤولية بين المؤسسات فيما يتحمل المتضررون وحدهم كلفة التعطيل.
وإذا كانت المحاصصة الداخلية تضع المصلحة العامة رهينة حسابات القوى النافذة، فإن الخضوع للضغوط الخارجية يطرح خطراً إضافياً يتمثل في تقييد القرار الوطني وربط حاجات المجتمع بحسابات لا يملك المواطنون تقريرها. ومن هنا، فإن كشف حقيقة الأموال المعطلة وشروط التمويل ومراسلات السلطة ليس مجرد إجراء مالي، بل ضرورة سيادية تتيح معرفة من يتخذ القرار، ولأي غاية، وعلى حساب من.
المطلوب ليس إطلاق اتهامات بلا أدلة، بل تحويل كل مبلغ معطل إلى ملف موثق، وكل إجراء متوقف إلى سؤال محدد، وكل مسؤولية إلى واجب قابل للمساءلة، وكل وعد حكومي إلى التزام زمني واضح. وفي الوقت نفسه، يجب رفض أي محاولة لتحويل المساعدات إلى وسيلة للوصاية أو الابتزاز السياسي، مع التمسك بالشفافية والرقابة وحماية المال العام.
فلا سيادة لدولة تعجز عن إدارة مواردها، ولا عدالة في نظام يترك المتضررين يدفعون ثمن عجزه، ولا نهضة وطنية حيث يصبح توقيع المسؤول أقوى من حق المواطن.
إن معركة إعادة الإعمار ليست مواجهة مع البيروقراطية والمحاصصة وحدهما، بل هي أيضاً معركة لاستعادة القرار الوطني من كل أشكال الوصاية والضغط الخارجي. فلا يجوز أن تبقى بيوت اللبنانيين وحقوقهم رهينة التجاذبات الداخلية أو الحسابات الأميركية. والسيادة الحقيقية تبدأ عندما تضع السلطة مصلحة المجتمع فوق مصالح القوى النافذة، وترفض أن يكون وجع المواطنين ثمناً لتفاهمات سياسية لا يملكون قرارها.
إن إعادة الإعمار ليست منّة من السلطة، بل واجب عام. ولبنان لا يحتاج إلى إعلانات جديدة عن الأموال بقدر ما يحتاج إلى دولة تكشف أين هي الأموال، وكيف ستُصرف، ولمن ستصل، ومن يُحاسب إذا تعطلت.
إن معركة الإعمار هي معركة استعادة الدولة من منطق المحاصصة والتهرب من المسؤولية والخضوع للإملاءات الخارجية، وبناء مؤسسات تجعل الإنسان وكرامته والمصلحة العامة أساس القرار الوطني. فحين يصبح الإنقاذ واجباً لا يخضع للمساومة، والسيادة ممارسة فعلية لا شعاراً، والمساءلة قاعدة لا استثناء، يمكن للبنان أن يبدأ إعادة الإعمار الحقيقية: إعادة بناء الحجر، واستعادة الثقة، وتحرير الإرادة الوطنية.
د. نبيلة عفيف غصن