قراءة تحت شمس تشرين.. العبور من مستحيل الاستعمار إلى ممكن التحرر
آدم كنعان
كاتب فلسطيني
قبل السابع من تشرين الأول 2023، كان العالم يعيد ترتيب أوراقه وفق هندسة سياسية واقتصادية حادة، تؤسس لشبكات من المصالح الاستراتيجية فوق اعتبارات العدالة، وتطوي صفحات المظلوميات التاريخية للشعوب بصمت تام. وفي ظل هذا النظام، غابت القضية الفلسطينية عن وجدان شعوب العالم، التي استغرقت في يومياتها الاستهلاكية وعزلتها الشعورية، مستسلمة لسرديات إعلامية تغيّب قيم النبل والعدالة والتحرر وتشرعن هيمنة الأقوى.
وكانت الشعوب العربية، في خضم ذلك، تُساق نحو حالة من التغييب الممنهج، لتتآكل في وعيها الجمعي مقومات التحرر، فترهلت مؤسساتها وأطرها واتحاداتها عبر التمرير التدريجي لسياسات تربط استقرار العيش بالخضوع للأمر الواقع، وتستبدل قضايا الأمة المصيرية بأوهام التنمية. أما الكيان الصهيوني، فكان يستثمر هذا المشهد ليمضي في أخطر استراتيجياته منذ النكبة، وهي مغادرة خانة “الدولة” المحتلة ليتوج كدولة طبيعية ومركز قيادي مندمج في محيطه، عبر بناء تحالفات تضمن تفوقه واستمراره.
شكلت هذه الاستراتيجية الصهيوأمريكية الخطر الوجودي الأكبر، إذ كانت تؤسس لدمج المشروع الاستيطاني في المنطقة وتحصينه بشبكة معقدة من المصالح الإقليمية والدولية المتشابكة، لتصبح أي جريمة صهيونية لاحقة وكأنها ضرورة لحماية استقرار المنطقة واقتصادها. وفي اللحظة التي استرخت فيها دوائر صنع القرار في الكيان وواشنطن، ظناً منها أن التاريخ توقف عند حساباتها الجيوسياسية، جاء الزلزال الاستراتيجي ليمزق هذا المسار الاستعماري من جذوره.
في الساعات الأولى من صباح السابع من تشرين أول المجيد تغير كل شيء.. انقلبت المسارات ونسفت المعادلات، وسُحب الكيان الصهيوني من ناصيته وأُجبر على العودة صاغراً إلى مربعه الأول، مربع الاحتلال العسكري العاري، والقاتل المرتبك. لقد أسقط الطوفان خرافة الاندماج الإقليمي، وحطم وعود الهيمنة، معلناً بدء رحلة بين زمنين، ليس لنا كشعوب المنطقة فقط، بل لشعوب العالم أجمع.
إن مشهد الإبادة الجماعية المستمرة اليوم، والتي تتمدد بوحشيتها من فلسطين إلى الجنوب اللبناني، يمثل فصلاً مؤجلاً من خطة استعمارية محكمة. كان مبرمجاً لهذه المذابح أن تُنفذ في توقيت مختلف، بعد أن يستكمل الكيان الصهيوني تربعه التام على مفاصل المصالح العالمية في المنطقة، ويصبح حجر الزاوية في شبكات التجارة والأمن الإقليمي. ضمن تلك الهندسة، يصبح ثمن الاعتراض على إبادة شعوبنا باهظاً ومكلفاً وكذلك ثمن القرار بالمقاومة. وحتى يتم له ذلك، كان سيواصل المحتل ذبحنا تحت مظلة صمت عالمي مطبق، محولاً المذابح ذاتها إلى أوراق قوة يستثمرها لجني عوائد سياسية واقتصادية استراتيجية تضمن تفوقه المطلق وتأبيد سيطرته. لكن كان لأصحاب الحق والأرض رأي آخر، تجلى في قرار تاريخي شجاع استبق الزمن الصهيوني، وضرب هذا المشروع الاستعماري في مقتل قبل أن تكتمل حلقاته وتُحكم قبضتها الخانقة على رقاب أمتنا.
كان لا بد من هذه المقدمة للرد على من يقول إن معركة طوفان الأقصى البطولية غير مبررة، وأنها جلبت الدمار على شعوب المنطقة وألحقت الضرر بالقضية الفلسطينية. وهو قول ينم عن ضيق أفق وعدم اشتباك مع حقائق الواقع، وينم عن ضعف إرادة ورغبة في الاستكانة للهزيمة، وفي كثير من الأحوال هو قول مأجور متواطئ مع سردية العدو.
إن تداعيات طوفان الأقصى ودروسه لم تتوقف، ولو أردنا تقسيمه إلى مراحل لقلنا إننا ما زلنا أمام ارتدادات الموجة الأولى منه، وهناك موجات كثيرة قادمة بمختلف الصيغ والأشكال والأدوات وفي ساحات تتجاوز حدود منطقتنا. فما بعد الطوفان ليس كما قبله، لقد شكل صدمة مدهشة حطمت الحواجز بين مستحيل الاحتلال وممكن التحرر الثوري. وبين مستحيل الهيمنة والاستلاب إلى ممكن الخلاص والعدالة لشعوب العالم.
لقد نسف الطوفان قيود النظريات “الثورية” الهرمة حول موازين القوى، وأثبت أن الاختلال المادي والعسكري لصالح العدو يمثل الحالة الطبيعية لأي صراع تحرري، ولا يصح اتخاذه ذريعة للانتظار المقيت. أعادت هذه الملحمة صياغة المفهوم الفلسفي للقوة. انتزعته من الاختزال العقيم في الترسانات التكنولوجية وأرقام العتاد، لتطرح تعريفاً حياً يضع “الإرادة الفاعلة” و”العنصر البشري العقائدي” كمركز للثقل. إن القوة الحقيقية للثورات والفدائيين تتجلى في توظيف المتاح لتعطيل آلة العدو الهائلة، وابتكار أدوات اشتباك تضرب بنيته النفسية والأمنية في مقتل، وتحول التفوق المادي للمحتل إلى عبء يربكه ويهشّم هيبته المصطنعة.
في الوقت ذاته، أعاد الطوفان قراءة ما كان يُعرف بالظروف التاريخية للفعل الثوري. كان السائد أن لا لحياة لحركة ثورية بدون نضج الظروف التاريخية، وأن الحراك الثوري مشروط بهذه الظروف.
لكن الطوفان أسس لقاعدة معرفية وميدانية تعيد الاعتبار لحقيقة أن الفعل الثوري الجسور هو المولد الحقيقي للظروف، وهو الصانع الأول للتحولات التاريخية. أثبتت هذه اللحظة الفارقة أن الانتظار السلبي لترتيب العوامل الإقليمية والدولية يشكل انتحاراً بطيئاً للمشروع التحرري، وتصفية تدريجية للحقوق التاريخية. وفي المقابل، تمتلك المبادرة الكبرى طاقة جبارة لاستيلاد سياقات جديدة كلياً، فبمجرد انطلاق الرصاصة الأولى وعبور السياج في صباح السابع من تشرين 2023، تحركت المياه الراكدة، واستيقظ الوعي العالمي من سباته، وتفجرت التناقضات الكامنة داخل معسكر الهيمنة. هكذا، تتقدم الإرادة الحرة لتسبق الزمن، لتقدم الفعل المقاوم ذاته شرطاً موضوعياً يفرض إيقاعه على العالم، ويعيد تشكيل المشهد برمته وفق ديناميكية الميدان.
لقد أسقطت الدروس الثورية لطوفان الأقصى ورقة التوت الأخيرة عن مبرري الهزيمة ورواد ثقافة الانتظار والمساومة. تعرت تماماً مقولات الترقب العاجزة التي طالما اختبأت خلف يافطة “اختلال موازين القوى” وتذرعت بـ “عدم نضج الظروف” لتسويق الخضوع وتمرير صفقات التنازل.
أثبت الطوفان المجيد أن تلك التنظيرات أقنعة واهية لترويض الشعوب وتدجين إرادتها وتأبيد الهيمنة، وكشف بوضوح جلي أن التمسك بحجج الواقعية المزعومة هو الوجه الآخر للانخراط الطوعي في مسارات الاستسلام، وتسليماً مجانياً للرقاب تحت سكين الجلاد، هرباً من استحقاقات المواجهة.
في مقابل هذا السقوط المريع لأسس ثقافة العجز، جاء الطوفان رافعة تاريخية استعادت الروح الثورية لشعوب العالم أجمع. لقد أضاءت ملاحم البطولة لأهلنا والفدائيين في غزة ولبنان فضاءات الممكن في زمن المستحيل، وبددت غيوم اليأس التي خيمت طويلاً على وجدان المستضعفين. وعبر مشاهد البطولة الاستثنائية، والمواجهة حتى الرمق الأخير، أشارت المقاومة بالسبابة المرفوعة والعصا المشرعة نحو درب التحرر. وبذلك كشف الطوفان حجم التناقضات الكامنة بين شعوب العالم وطموحاتها في الحرية والعدالة من ناحية، وبين منظومات الهيمنة وشبكات الاستغلال من ناحية ثانية، ووضع أسساً للمواجهة المفتوحة مع هذه المنظومات.
إلا أن وجود التناقضات بحد ذاته لا ينتج المواجهة بالضرورة، خصوصاً في زمن غابت فيه الثقافة الثورية والحركات العضوية المرتبطة بحياة الناس ونضالاتهم، وهيمنت ثقافة السوق والفردية، لتفسر المعاناة بوصفها إخفاقاً شخصياً، وتدفع كل فرد إلى البحث عن خلاصه وحيداً. تنتج التناقضات في هذه الحالة الضبابية، وفي أفضل تقدير، حالات متقطعة من التململ، بلا استمرارية ولا بوصلة، يسهل احتواؤها بل واستغلالها. ولذلك تحتاج التناقضات إلى كشف جذورها وتحديد أطرافها، وإلى وعي يجمع قوى التغيير حول غاية تحررية واضحة. وفي هذا السياق، كشف الطوفان عمق التناقض بين طموحات الشعوب في الحرية والعدالة وبين مصالح منظومات الهيمنة والاستغلال، وأظهر الترابط بين المصالح الاقتصادية والقرار السياسي والمنظومة الإعلامية عالمياً، وعرّى تواطؤها في الإبادة الجماعية المستمرة بحق أهلنا في غزة وجنوب لبنان. أعاد هذا الكشف وصل المظالم المتفرقة بأسبابها المشتركة، ومنح مواجهتها هوية وبوصلة وأملاً. ومن هنا نقل الطوفان الحراك العالمي من خانة الإدراك المبهم للظلم إلى خانة العمل الجماعي الواعي لتغييره. وتجددت أمام شعوب العالم فكرة أن تحررها ممكن، وأن التاريخ لم يمت ولم ينتهِ عند انتصار التوحش، بل ما زال مفتوحاً أمام إمكانيات الثورة والتغيير.
إضافةً إلى ذلك، قدم الطوفان لشعوب العالم المستضعفة أقوى الأسلحة التي تحتاجها في مواجهة مراكز الهيمنة والاحتكارات الاقتصادية والامبراطوريات الإعلامية، وهو سلاح اللامركزية. انشغل كثير من المنظرين بفكرة أن هناك ضرورة لموازنة مراكز الهيمنة الاستعمارية بمراكز نظيرة تعمل في الثقافة والإعلام والفنون وتنتج ثقافة ثورية مضادة. يفترض هؤلاء المنظرين أن المأسسة المركزية شرط لانتصار حركات التحرر بينما الحقيقة هي عكس ذلك تماماً.
إن الرهان على المركزية في إدارة المواجهة، في ظل الاختلال الهائل في موازين القوى المادية وتكلس، بل وانهيار وانزياح المؤسسات الثقافية والإعلامية والفنية العربية، لم يعد خياراً حكيماً، بل يكاد يكون فخاً يعيد إنتاج العجز الذي نراه اليوم في الساحة العربية على وجه التحديد، حيث لا نقابة ولا اتحاد فني أو مهني، ولا منظمة مركزية قادرة على النهوض ولو بالحد الأدنى من مسؤولياتها التاريخية تجاه قضية عادلة وشعب يتعرض لإبادة مستمرة.
لقد أدركت شعوب العالم بحسها ووعيها الغريزيين، أن اللامركزية هي البديل العضوي الذي يضاهي في طبيعته وتكتيكاته “حرب العصابات” وعمليات المغاوير.
إنها عنصر قوة جبار يوزع المهام والأدوار بانسيابية تتجاوز قيود الهياكل التقليدية عبر عشرات الآلاف من الناشطين والمئات من النقابات والمنظمات والاتحادات الإقليمية في أوروبا وأفريقيا وأمريكا والمملكة المتحدة وشرق آسيا، لتصبح أقل كلفة وأعمق أثراً، فبينما تظل المراكز الكبرى مرتهنة، ثقيلة الحركة، وقابلة للهيمنة والابتزاز، تتمدد اللامركزية مثل شبكة حية فاعلة عصية على الحصار أو الاحتواء.
كلنا رأينا كيف انقلب مزاج العالم وتبدلت توجهاته بفضل حراك ملايين الأفراد من لغات وجنسيات وثقافات متباينة. نهض الملايين، إعلاميون وفنانون ومؤثرون وصناع محتوى، جنباً إلى جنب مع طلبة الجامعات والموظفين العاديين، كل يقاتل بأدواته ومن موقعه وبطريقته الخاصة، يحملون الرواية الفلسطينية ويعرون الرواية الصهيونية ويكشفون التواطؤ الدولي في الإبادة الجماعية. ولم يقتصر إنجاز هذا الجمهور اللامركزي على هزيمة رواية العدو وإسقاط سرديته الزائفة التي كلفته مليارات الدولارات فحسب، بل تمكن من اختراق حصون الإمبراطوريات الثقافية والإعلامية المعادية، وأجبرها تحت وطأة التدفق الجماهيري على تغيير لغتها أو اللجوء صاغرةً إلى التوازن. وهذا الإجبار في حد ذاته يمثل إنجازاً استراتيجياً متقدماً. من هنا، تبرز اللامركزية كواحدة من أقدس دروس طوفان الأقصى وأكثرها عبقرية، إذ قدمت بتداعياتها وآثارها الممتدة حلاً جذرياً وعملياً لمعضلة اختلال موازين القوى، وحولت الأفراد من أحرار العالم إلى طوفان موازٍ يرجح كفة المستضعفين في وجه أعتى إمبراطوريات الهيمنة.
وكما أسقط الطوفان مقولات المركزية والنخبوية ومقولات منظري المقاهي حول الشروط والظروف وتوازن القوى، أسقط كذلك ذرائع الحاضنة. لقد أثبت 1200 مقاتل أن الحاضنة الأممية لحركة التحرر بمفهومها الكلاسيكي، أي وجود دولة أو منظومة دولية تحتضنها وتدعمها بالمال والسلاح، ليس شرطاً للتمرد وتفجير الثورة المسلحة ضد العدو. وأثبتوا أيضاً أنه ليس بالضرورة أن تأتي الثورة بعد الحاضنة، بل إن العكس ممكن. وهذا ما حدث عندما أصبحت عواصم العالم ومدنه وساحاته حواضن شعبية مخلصة، تمنح الغطاء والدعم والسند، وتهدد مصالح المنظومة المنحازة للعدو.
وهنا، حتى لا يلتبس الأمر على من يقرأ، يجب التفريق بين الحلفاء وبين الحاضنة، فمحور المقاومة الذي دعم وساند المقاومة الفلسطينية، واستمر في معركة الطوفان وما بعدها، تشكل من حلفاء مخلصين، وشركاء عضويين في قضايا التحرر والعدالة. هم ضحايا الهيمنة الصهيوأمريكية من حصار واحتلال واستكبار وقتل استعراضي بشع.
كذلك، فإن انتقال مفهوم الحاضنة من الأطر الرسمية والدولية إلى الشوارع والعواصم الأممية يُحرر فعل المقاومة من ارتهانه للحسابات والمصالح المتغيرة. هذا التحول ينقل التضامن الشعبي من موقعه الكلاسيكي كـ “عاطفة سلبية” إلى “سلاح موجه” يمارس ضغطاً استراتيجياً مباشراً على مراكز القرار في دول الهيمنة، ويفرض كلفة سياسية وأخلاقية باهظة تُربك المنظومة الداعمة للعدو من داخلها. وهذا درس مقدس آخر من دروس طوفان الأقصى المجيد.
إن حماية هذه الدروس تحتاج وعياً ثورياً متحفزاً ومشتبكاً مع كل محاولات إعادة الزمن إلى الوراء وإجهاض حالة الرفض للكيان الصهيوني في مدن العالم وساحاته. فاليوم، تتورط منظومة كاملة من النظم الغربية والعربية والسياسيين وإمبراطوريات الإعلام في تنفيذ استراتيجية خبيثة تهدف إلى “إعادة تأهيل صورة الكيان الصهيوني بعد الإبادة”. تتمظهر هذه المحاولة الشرسة عبر حصر مسؤولية الإبادة في “عصابة متطرفة” تضم نتنياهو وسموتريتش وبن غفير، وتصوير الجريمة كأنها نزوة فردية طارئة بدلاً من كونها نتاجاً بنيوياً لمنظومة إبادية عالمية تنتشي اليوم بفائض مهول من الثروة والقوة والوقاحة أيضاً.
الغاية من هذا الغسيل الأخلاقي للكيان الصهيوني هي امتصاص الغضب العالمي، وتوفير غطاء سياسي وأخلاقي للأنظمة لفك عزلة الكيان واستئناف التطبيع، وتأمين حماية الاستثمارات الجيوسياسية والتجارية. ولإنقاذ الوعي من هذا الفخ، وتفكيك آليات “إدارة الإدراك” و”الاختزال الشخصي للمسؤولية” التي يُوظفها الإعلام المعادي مستغلاً ميل المؤسسات الرسمية، العربية تحديداً، للطمأنينة والإحجام عن المواجهة. أصبحت أدوات المواجهة فارقة ومصيرية، ومن أبرز هذه الأدوات تفعيل دروس طوفان الأقصى، دروس بطولات الفدائيين وصمود أهلنا في فلسطين ولبنان وكل ساحات الاشتباك مع العدو الصهيوأمريكي.
إن قطع الطريق على مخططات العدو لتصفية وعينا وطمس جريمة الإبادة، يتطلب أن نحمل دروس الطوفان ونمضي في مهمة تفكيك وتحليل، وموضعة وتوصيف وإعادة قراءة، للممكن الثوري الراهن على ضوء ما أثمرته من نتائج.
وعلى هذه الدروس أن تنتج نظريات ثورية جديدة، وتصبح بوصلة راسخة للحراك الجماهيري العالمي وحركات التحرر العالمية، للمظلومين في المصانع والمسلوبين في المزارع والمقموعين وعياً وفكراً وأفقاً في الجامعات والمعاهد والمدارس، وجميع ضحايا الهيمنة الاستعمارية وأدواتها المتوحشة في جنوب العالم وشماله أيضاً. إن ما كان قبل الطوفان المجيد، والإبادة الجماعية العارية، لا يصح أبداً لما بعدها. لقد وضع الطوفان خطاً فاصلاً بين زمنين وخطاً فاصلاً بين ثقافتين أيضاً، ثقافة المستحيل الاستعماري قبل الطوفان، والممكن الثوري بعده.
