لا تمثل التحركات العسكرية المتدرجة في المناطق الجنوبية لمحافظة تعز مجرد تبدّل عابر في خطوط السيطرة الميدانية، ولا يمكن اختزالها في إطار المعارك التقليدية المحكومة بحسابات الربح والخسارة المحلية في مواجهة أدوات الهيمنة والوصاية الخارجية. إن ما يجري هناك يتجاوز الجغرافيا اليمنية الضيقة ليمس جوهر الصراع على استقلال القرار الوطني، ومستقبل الدولة اليمنية، وموقع البلاد الحساس في معادلات الأمن الإقليمي والدولي، لا سيما ما يتعلق بالتحكم في الممرات المائية السيادية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن وصولاً إلى المحيط الهندي.
​وتكشف المعطيات الميدانية والتحليلات الاستراتيجية لتطورات الجبهات في محيط تعز ومأرب والساحل الغربي عن ثبات في الإرادة القتالية والصلابة الميدانية، بالتوازي مع التمسك بالأهمية الجيوسياسية البالغة لمضيق باب المندب كبوابة أمن قومي لا تقبل التفريط. وتبرز في هذا السياق معادلة عميقة: إن تحقيق التغيير الجذري في ميزان القوى لا يتطلب بالضرورة انتصارات خاطفة أو هجمات سطحية؛ بل إن التراكم الهادئ والمثابر للمكاسب الميدانية، المحكوم برؤية استراتيجية واضحة وعقيدة قتالية صلبة، غالباً ما يكون أكثر عمقاً وأشد تأثيراً على المدى البعيد من أي اندفاعة عسكرية واسعة تفتقر إلى القدرة على تثبيت النتائج وحمايتها.
​أولاً: أبعاد الجغرافيا والدلالات الاستراتيجية والتوسع الميداني الهادئ
​تكتسب الجبهة الجنوبية لتعز أهمية مضاعفة نظراً لقربها الجغرافي المباشر من خطوط الملاحة الدولية ومنطقة باب المندب. إن السيطرة أو الإشراف على المرتفعات الحاكمة في هذه المنطقة لا يمنح أفضلية تكتيكية فحسب، بل يفرض وقائع جديدة على القوى الإقليمية والدولية التي طالما اعتبرت هذه الممرات حكراً على نفوذها.
​وفي هذا السياق، شهدت محاور الأطراف الجنوبية والشرقية لتعز، خصوصاً في اتجاه مديريات مثل صبر الموادم والمسراخ وجبل حبشي وصولاً إلى تخوم الساحل، حراكات ميدانية نوعية تمثلت في السيطرة على عدد من التباب والمرتفعات الحاكمة. هذه العمليات لم تكن مجرد اقتحامات عابرة، بل رافقها تثبيت هندسي للمواقع واستنزاف مستمر لتحشيدات الطرف الآخر. إن التحرك الميداني هناك ينطلق من فهم دقيق لطبيعة التضاريس المعقدة، ومن إدراك واعٍ بأن المعركة ليست عسكرية بحتة، بل هي معركة إرادات طويلة الأمد. القوى المناهضة للوصاية تتعامل مع الميدان بنفس طويل، مستفيدة من الحاضنة الشعبية الواسعة التي توفر عمقاً استراتيجياً لا يمكن تجاوزه. هذا التلاحم بين الجهد العسكري والوعي الشعبي يمنح المدافعين عن السيادة الوطنية قدرة فائقة على امتصاص الصدمات واحتواء الهجمات الجوية والمعاكسة، ثم الانتقال التدريجي إلى المبادرة وفرض إيقاع المعركة وفق الشروط الوطنية لا الشروط المرسومة في غرف العمليات الأجنبية.
​ثانياً: سقوط رهانات الهيمنة البحرية وتأمين الخاصرة الساحلية
​على مدار سنوات طويلة، حاولت قوى الاستكبار العالمي وهيمنته الإقليمية تحويل الممر المائي الحساس في باب المندب والبحر الأحمر إلى بحيرة مغلقة تخدم مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية والأمنية، ضاربةً بعرض الحائط سيادة الدول المطلة على هذا البحر ومصالح شعوبها.
​غير أن التطورات العسكرية والعملياتية الأخيرة في الخاصرة الجنوبية لليمن وخطوط التماس القريبة من ذو باب ومحيط المواقع الساحلية أثبتت هشاشة هذه الترتيبات الأمنية المصطنعة. إن أي تقدم ميداني، حتى وإن اتسم بالبطء المدروس، يحمل في طياته دلالات عميقة تفيد بأن الساحل اليمني وباب المندب لم يعودا ساحة مستباحة للقطع الحربية الأجنبية أو للقوى الوكيلة. فالارتباط الوثيق بين ما يجري في جبهات الداخل اليمني — كتعز ومأرب والبيضاء — وبين المعادلات الكبرى المرتبطة بالأمن القومي الشامل، يعكس وعياً متقدماً لدى قوى المقاومة الشعبية والجيش الوطني بأن حماية لقمة عيش المواطن وسيادة مياهه الإقليمية هما جزء لا يتجزأ من معركة التحرر الكبرى. كما أن محاولات تثبيت النقاط والسيطرة على خطوط الإمداد الرابطة بين لحج وتعز والساحل، تعكس قدرة ميدانية فائقة على المناورة وإفشال محاولات الاختراق المعاكسة.
​ثالثاً: استراتيجية “النفس الطويل” مقابل الاندفاعات المؤقتة
​أثبتت التجربة الميدانية في اليمن، ولا سيما في محاور تعز المشتعلة وجبهات الضباب وحذران والوازعية، أن الطرف الذي يستند إلى مشروع تحرري وشرعية وطنية حقيقية يمتلك رفاهية الوقت والقدرة على إدارة المعركة بالنفس الطويل. في المقابل، تعاني القوى المدعومة من الخارج وتشكيلات المرتزقة من تآكل مستمر في المعنويات وغياب الرؤية الاستراتيجية الموحدة، حيث تقتصر حساباتها على المكاسب الآنية والتمويلات المؤقتة والغارات الجوية التي تفشل في تغيير الوقائع على الأرض.
​هذا التباين الجوهري يفسر سر التقدّم الهادئ والمدروس الذي تسجله قوى الحق اليمني ميدانياً. فهو تقدّم لا يسعى إلى الاستعراض الإعلامي الخاطف، بل يعتمد على منظومة تكتيكية متكاملة تتلخص فيما يلي:
​تثبيت النقاط المحررة والمواقع المرتفعة بعناية فائقة لتأمينها ضد أي هجمات معاكسة أو غطاء جوي معادٍ.
​استنزاف القدرات المادية والبشرية للتحالف المعادي عبر كمائن محكمة واشتباكات مستمرة تحافظ على زمام المبادرة وتمنع القوى الموالية للخارج من تحقيق أي اختراق استراتيجي.
​مراكمة الإنجازات الاستراتيجية خطوة بخطوة على مسرح العمليات، مما يضيق الخناق تدريجياً على مراكز تمركز المرتزقة في المدن والمديريات ويقطع خطوط إمدادهم الحيوية.
​رابعاً: انعكاسات التوازنات الجديدة على مستقبل المنطقة
​إن التحولات التي تُصاغ بصمت على جبال تعز وسواحل باب المندب لا تقف عند حدود المحافظة أو حتى عند الحدود اليمنية، بل امتدت تداعياتها لتلامس بنية الأمن الإقليمي برمته، وأثبتت قدرة الميدان اليمني على فرض قواعد اشتباك جديدة تمنع أي استفراد إقليمي أو دولي بالمقدرات السيادية. لقد أدركت دول المنطقة والعالم أن فرض معادلات القوة بالقوة المجرّدة والحصار الظالم لم يعد مجدياً في كسر إرادة الشعوب الحرة.
​إن اليمن، عبر صموده الأسطوري وتقدمه الواثق في جبهاته المختلفة وتكتيكاته العسكرية المدروسة، بات يثبت يوماً بعد يوم أنه رقم قياسي لا يمكن تجاوزه في معادلات الأمن الإقليمي. وكل خطوة تُحرز في جنوب تعز وباب المندب هي بمثابة مدماك جديد يُضاف إلى صرح السيادة الوطنية المستقلة، ورسالة واضحة لكل قوى الهيمنة بأن حق الشعوب في تقرير مصيرها وحماية مياهها وثرواتها هو مسار حتمي لا رجعة فيه، مهما بلغت تعقيدات المعركة وتعدد جبهاتها.
د. نبيلة عفيف غصن