باب المندب بعد تحولات الساحل.. ماذا سيتغيّر في الملاحة الدولية؟
علي الزهري / إعلامي يمني
بعد أن تقدمت القوات المسلحة اليمنية، التي تسميها وسائل الإعلام الخارجية «قوات صنعاء»، وسيطرت على مديريات الساحل الغربي، تصاعدت حملة سياسية وإعلامية تحذر العالم من تهديد مزعوم لباب المندب والملاحة الدولية. وعقب الخسارة الميدانية السريعة وغير المتوقعة، انتقل المعسكر المناهض لصنعاء من معركة الأرض إلى معركة التهويل الإعلامي، محاولًا تقديم ما جرى وكأنه اندفاع للسيطرة على المضيق وتهديد للتجارة العالمية، لا تطورًا عسكريًا داخل أراضٍ يمنية.
وفي المقابل، تؤكد صنعاء أن الاقتراب الجغرافي من باب المندب لا يعني استهدافه، وأن تحولات الساحل لم تغيّر سياستها المعلنة تجاه السفن العابرة. فماذا سيتغيّر فعلًا في الملاحة الدولية بعد تغيّر خريطة السيطرة على الساحل؟
القدرة سبقت السيطرة
لم تكن صنعاء بحاجة إلى الوجود المباشر على ضفاف باب المندب كي تؤثر عسكريًا في البحر الأحمر؛ فقد كانت تمتلك قدرة نارية تتيح لها الوصول بالصواريخ والطائرات المسيّرة إلى نطاق واسع منه، انطلاقًا من مناطق متعددة داخل اليمن.
وعلى مدى عامين من العمليات المعلنة إسنادًا لغزة، استهدفت صنعاء سفنًا قالت إنها مرتبطة بإسرائيل، في وقت لم تكن تسيطر فيه على المخا أو ذوباب أو الجزر اليمنية. كما أعلنت لاحقًا فرض حصار بحري على السعودية، ردًا على الحصار المفروض على اليمن، قبل تغيّر خريطة السيطرة البرية في الساحل.
وهذا يؤكد أن قدرتها البحرية سبقت تقدمها الميداني، وأن وجودها الجغرافي المباشر قرب المضيق لم ينشئ قدرة نارية جديدة.
ولا يعني ذلك أن تغيّر السيطرة على الساحل يخلو من أي أثر عسكري؛ فالوجود المباشر قد يوفر مزايا تكتيكية إضافية في الرصد والانتشار وتأمين الشريط الساحلي. غير أن هذه المزايا تختلف عن امتلاك القدرة على استهداف السفن في البحر الأحمر، وهي قدرة كانت قائمة قبل التقدم الميداني، ولا تكفي بذاتها للاستنتاج بأن قواعد التعامل مع الملاحة الدولية ستتغيّر.
لماذا تحركت صنعاء؟
وفق رواية صنعاء، لم يكن هدف العملية الأخيرة الوصول إلى باب المندب. فقد كانت قد خاطبت القوى المحلية المرتبطة بالسعودية، مؤكدة أن معركتها مع السعودية وليست مع تلك القوى، وداعية إياها إلى البقاء في مواقعها وعدم فتح الجبهات الداخلية. كما أوضحت أن هدف معركتها هو وقف العدوان ورفع الحصار وتنفيذ خارطة الطريق، وأن الخلافات الداخلية ينبغي أن تُعالج عبر الحوار اليمني.
لكن تلك القوى أعلنت ما سمّته «معركة التحرير» وبدء «ساعة الصفر»، ودفعت بتعزيزاتها إلى الجوف وتعز والساحل الغربي، وشرعت في التحرك والقصف. وتزامن ذلك مع نشر مشاهد ميدانية وخطاب احتفائي ذي طابع مذهبي استحضر معركة «ردع العدوان» في سوريا وسقوط نظام الأسد، وقدّم التحركات بوصفها بداية معركة واسعة ضد صنعاء.
عندها، ردت صنعاء باستهداف التعزيزات والتقدم نحو مواقع تلك القوى. وبذلك، جاء تحركها في الساحل نتيجة فتح الجبهات ضدها، لا سعيًا للوصول إلى باب المندب. وانتهت المواجهة بفقدان القوى المهاجمة مواقع كانت تسيطر عليها داخل الأراضي اليمنية.
من خسارة الأرض إلى تدويل المعركة
بعد تغيّر خريطة السيطرة، بدأ المعسكر المناهض لصنعاء نقل القضية من صراع على أراضٍ يمنية إلى عنوان أكثر حساسية دوليًا: أمن باب المندب وحرية التجارة العالمية.
وتقوم هذه السردية على الإيحاء بأن القوات التي كانت متمركزة في الساحل هي الضامن لأمن الملاحة، وأن فقدانها مواقعها سيحوّل المضيق إلى منطقة تهديد.
لكن إذا كان وجود تلك القوات هو ما يحمي باب المندب، فكيف استطاعت صنعاء تنفيذ عملياتها البحرية طوال عامين، بينما كانت المخا وذوباب والجزر خارج سيطرتها؟
إن وجود تلك القوات لم يمنع عمليات صنعاء، كما أن خروجها لا يعني أن السفن الدولية ستصبح أهدافًا؛ فقد ظلت الأهداف، وفق بيانات صنعاء، محكومة بمعايير معلنة، لا بمجرد عبور السفن في البحر الأحمر.
لذلك، يبدو تضخيم الخطر المحتمل على باب المندب محاولة لتعويض خسارة الأرض، وإثارة القلق الدولي، ودفع مجلس الأمن والقوى الكبرى إلى التعامل مع التحولات الميدانية وكأنها تهديد محتمل للأمن العالمي.
صنعاء تواجه التهويل بالطمأنة
في مواجهة هذه الحملة، تبنت صنعاء خطابًا سياسيًا ودبلوماسيًا يفصل بين تطورات الساحل والملاحة الدولية.
فقد أكد نائب وزير الخارجية عبدالواحد أبوراس أن الملاحة البحرية آمنة، وأنه لا علاقة بين تطورات الساحل وأمن الملاحة.
ووجهت وزارة الخارجية مذكرات إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول العالم، شددت فيها على حرص صنعاء على سلامة الملاحة الدولية.
كما أكد الناطق الرسمي باسم أنصار الله ورئيس الوفد الوطني المفاوض محمد عبدالسلام أن العمليات محددة الأهداف ودفاعية، وأن التجارة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب آمنة ومنتظمة. ورفض عضو الوفد الوطني عبدالملك العجري تقديم القوات المناهضة لصنعاء بوصفها حامية للممر البحري، مؤكدًا أن الخطر لا يطول إلا من يعتدي على اليمن.
ولا تنفي هذه المواقف امتلاك صنعاء قدرة عسكرية مؤثرة في البحر الأحمر، لكنها تفصل بين امتلاك هذه القدرة وتوجيهها ضد التجارة الدولية، كما تفصل بين سلامة الملاحة العالمية والضغط البحري المعلن على المصالح المرتبطة بالسعودية، بهدف رفع الحصار عن اليمن.
ماذا سيتغيّر فعلًا؟
وفق المعطيات والمواقف المعلنة حتى الآن، لا يُتوقع أن تتغيّر قواعد التعامل مع الملاحة الدولية؛ فما تغيّر هو خريطة السيطرة على الأرض، أما موقف صنعاء المعلن من السفن العابرة فلم يتغيّر. كما أن وصول قواتها إلى مناطق ساحلية لم يمنحها قدرة نارية جديدة؛ فقد كانت تلك القدرة قائمة قبل السيطرة على المخا وذوباب.
ومن هنا، فإن الربط التلقائي بين تحولات الساحل وأي تهديد مستقبلي للملاحة لا يبدو قائمًا على قراءة عسكرية دقيقة، بقدر ما يعكس معركة سياسية وإعلامية لتدويل الخسارة الميدانية واستدعاء التدخل الخارجي.
ولا يتحدد أمن باب المندب بمجرد بقاء قوة محلية في مواقعها أو خروجها منها، بل يرتبط بسلوك الأطراف، وبمعالجة أسباب التصعيد، ووقف العدوان والحصار، وتنفيذ خارطة الطريق. كما يتطلب احترام سيادة اليمن وعدم تحويل سواحله وجزره إلى منطلقات للاعتداء عليه.
