ربما مكة قبل غزة… بسواعد إخوة صعدة
رسول حسين ابو السبح
لم تكن حركة أنصار الله في اليمن، قبل سنوات، تبدو في الحسابات التقليدية بوصفها قوة قادرة على التأثير في مسارات الإقليم، كانت حركة يمنية تنشط في بيئة جغرافية وسياسية معقدة، وتخوض حربًا طويلة داخل بلد أنهكته الصراعات والانقسامات، ولم يكن كثيرون يتوقعون أن تتحول، مع مرور الوقت، إلى لاعب حاضر في حسابات البحر الأحمر وأمن الملاحة والسعودية وإسرائيل، فضلًا عن تأثيرها في المشهد الإقليمي الأوسع.
لكن المشهد تغير تدريجيًا، فخلال السنوات الماضية، انتقلت أنصار الله من كونها طرفًا رئيسيًا في الصراع اليمني إلى قوة تفرض حضورها في حسابات إقليمية ودولية تتجاوز حدود اليمن، ومع الحرب على غزة، اتسعت مساحة هذا الحضور، وأصبح اليمن جزءًا من مشهد إقليمي لم تعد حدوده تتطابق مع حدود ساحاته التقليدية، واليوم، تبدو جبهة الساحل الغربي أمام تطور جديد يستحق التوقف عنده، في ظل تقارير عن سيطرة أنصار الله على مدينة المخا وتطورات عسكرية متسارعة في المنطقة.
تكتسب مدينة المخا أهميتها من موقعها على الساحل الغربي لليمن، بالقرب من باب المندب، أحد أكثر الممرات البحرية حساسية وأهمية في العالم، ولذلك فإن أي تحول عسكري في هذه المنطقة لا يمكن قراءته باعتباره شأنًا يمنيًا داخليًا فقط، فالجغرافيا هنا تتحول إلى سياسة، والسيطرة على مدينة أو موقع قريب من ممر بحري استراتيجي يمكن أن تترك آثارًا تتجاوز حدود المعركة المحلية إلى حسابات الأمن الإقليمي والدولي.
ومع ذلك، فإن القراءة الرصينة تقتضي عدم القفز من التطورات الميدانية في المخا إلى استنتاجات نهائية بشأن السيطرة على باب المندب أو حسم مسار المعركة، فالمشهد لا يزال متحركًا، والتطورات العسكرية قد تتغير بسرعة، وما يمكن قوله في هذه المرحلة هو أن الساحل الغربي عاد ليحتل موقعًا متقدمًا في معادلة الصراع اليمني والإقليمي، وأن ما يحدث هناك يستحق النظر إليه ضمن سياق أوسع من مجرد التحرك العسكري على الأرض.
منذ اندلاع الحرب على غزة، لم تعد فلسطين قضية محصورة داخل حدودها الجغرافية، دخل الخليج الفارسي وتلاه البحر الأحمر إلى المشهد، وأصبح اليمن حاضرًا في الحسابات العسكرية والسياسية، وتحولت الممرات البحرية إلى جزء من الصراع، فيما باتت مواقف القوى الإقليمية تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في الحسابات الدولية، ولهذا تغير السؤال، فلم يعد السؤال فقط… ماذا يحدث في غزة؟ بل أصبح أيضًا… من يستطيع التأثير في البيئة المحيطة بغزة؟ ومن يستطيع أن يجعل الحرب ذات كلفة تتجاوز حدود القطاع؟ ومن يمتلك القدرة على نقل الصراع من جبهة إلى أكثر من جبهة؟
هذه النقلة في السؤال مهمة، لأن الصراعات الكبرى لا تُحسم دائمًا داخل حدودها الجغرافية، وأحيانًا يصبح المحيط جزءًا من المعركة، وتصبح القدرة على التأثير في هذا المحيط عنصرًا من عناصر القوة، ومن هذه الزاوية تحديدًا، يصبح اليمن جزءًا من قصة أكبر من اليمن، لا لأنه يملك وحده القدرة على تغيير مسار المنطقة، وإنما لأنه تحول من ساحة تتلقى تأثيرات الآخرين إلى طرف يستطيع التأثير في حسابات الآخرين.
بعيدًا عن الموقف السياسي من أنصار الله، وبغض النظر عن التقييمات المختلفة لعلاقتها بإيران أو لمشروعها السياسي والعسكري، هناك ظاهرة تستحق الدراسة بحد ذاتها… كيف استطاعت حركة نشأت في صعدة أن تتحول إلى قوة تفرض نفسها في الحسابات الإقليمية؟
فالحركة التي ارتبط اسمها طويلًا بصعدة والحرب اليمنية أصبحت اليوم طرفًا حاضرًا في نقاشات تتصل بالبحر الأحمر والسعودية وإسرائيل وأمن الملاحة الدولية، ويمكن للمرء أن يختلف جذريًا مع مشروعها أو أن يتفق معه، لكن الاختلاف السياسي لا يلغي حقيقة التحول الذي حدث في موقعها داخل المعادلة الإقليمية، وما يستحق البحث هنا ليس فقط حجم القوة العسكرية التي امتلكتها، وإنما الكيفية التي تمكنت من خلالها من بناء قدرة سياسية وعسكرية وتنظيمية جعلتها قادرة على الاستمرار والتأثير.
ربما يكون الخطأ الأكبر في قراءة تجربة أنصار الله هو النظر إليها من زاوية عسكرية بحتة، فالصواريخ والطائرات المسيّرة وغيرها من أدوات القوة هي الوجه الأكثر وضوحًا للمشهد، لكنها لا تفسر وحدها قدرة جماعة ما على البقاء سنوات طويلة في بيئة صعبة، ولا قدرتها على تعبئة جمهورها وتحمل الكلفة السياسية والعسكرية والاجتماعية للصراع.
قبل السلاح كانت هناك فكرة، وقبل التحول إلى لاعب إقليمي كانت هناك سنوات من بناء التنظيم والهوية السياسية والاجتماعية، ومن تحويل الصراع إلى قضية مرتبطة بالوعي والهوية والذاكرة الجماعية، يمكن الاتفاق أو الاختلاف مع هذه الفكرة، ويمكن نقدها أو رفضها سياسيًا، لكن تجاهل أثرها في صناعة القوة سيكون قراءة ناقصة، فالتاريخ السياسي يخبرنا أن الجماعات لا تصبح مؤثرة لمجرد امتلاكها السلاح، وإنما عندما تستطيع تحويل السلاح إلى جزء من مشروع، وتحويل المشروع إلى هوية، وتحويل الهوية إلى
قدرة على الاستمرار.
وهنا ربما يكمن الدرس الأهم في التجربة اليمنية… القوة ليست دائمًا نتاج الإمكانات المادية وحدها، وإنما نتاج القدرة على إنتاج المعنى، وبناء الهوية، وصناعة الاستعداد لتحمل الكلفة، ولهذا فإن فهم ظاهرة أنصار الله يحتاج إلى دراسة أعمق من خرائط السيطرة العسكرية وأعداد الصواريخ والطائرات المسيّرة، يحتاج إلى فهم البيئة التي نشأت فيها الحركة، والأفكار التي شكلت وعيها، والظروف التي سمحت لها بالانتقال من حركة محلية إلى طرف مؤثر في معادلة إقليمية واسعة.
لهذا فإن عبارة “ربما مكة قبل غزة” تشير للعدوان السعودي المدعوم عربياً وغربياً، ولا ينبغي أن تُقرأ هذه العبارة بوصفها نبوءة عسكرية، ولا باعتبارها إعلانًا عن مسار سياسي محدد، إنها في جوهرها سؤال عن طبيعة التحولات التي تحدث في المنطقة، فهل نشهد زوال ملكية ال سعود الغاشمة، ونتحدث عن إمكانية أن تنتقل موازين القوة من المراكز التقليدية إلى الأطراف.
فمكة، بوصفها قلب الجزيرة العربية ورمزًا يتجاوز السياسة والجغرافيا، ليست مجرد هدف جغرافي يمكن اختزاله في معادلة عسكرية، والسؤال الحقيقي ليس… هل ستصل أنصار الله إلى مكة؟ بل ماذا لو أصبحت القوى التي تشكلت في أطراف الجزيرة العربية قادرة على التأثير في مستقبل المركز نفسه؟ هنا يصبح السؤال سياسيًا وفكريًا واستراتيجيًا أكثر منه عسكريًا.
فالتاريخ لا يصنعه دائمًا من يجلسون في العواصم والمراكز التقليدية، أحيانًا تبدأ التحولات الكبرى من الأطراف، من مناطق لم تكن تبدو في الحسابات القديمة قادرة على تغيير المعادلة، وصعدة واحدة من الأمثلة التي تفرض نفسها على الباحث في تحولات المنطقة خلال العقود الأخيرة.
ما يحدث اليوم في اليمن لا يعني بالضرورة أن خريطة المنطقة قد حُسمت، ولا أن موازين القوى استقرت لصالح طرف بعينه، لكن المؤكد أن قواعد اللعبة القديمة لم تعد كما كانت، فاليمن الذي كان يُنظر إليه طويلًا باعتباره ساحة للحرب أصبح قادرًا على التأثير في ملفات تتجاوز حدوده، والبحر الأحمر الذي كان في نظر كثيرين مجرد ممر تجاري أصبح جبهة استراتيجية، وغزة التي أراد البعض حصرها في جغرافيا صغيرة أعادت تشكيل أسئلة الأمن والسياسة في المنطقة.
أما أنصار الله، سواء اتفقنا معهم أو اختلفنا، فقد نجحوا في الانتقال من هامش المعادلة إلى داخلها، وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التوقف… ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو إلى أين ستصل صعدة، بل كيف استطاعت صعدة أن تجعل الآخرين يعيدون حساباتهم؟
فحين تبدأ الأطراف في التأثير في المركز، لا تعود القضية مجرد حركة عسكرية، وإنما تصبح مؤشرًا على تحول في ميزان القوة، وربما لهذا السبب تحديدًا تبدو قصة اليمن اليوم أكبر بكثير من حدود اليمن، فهي قصة عن القوة، والجغرافيا، والهوية، والوعي، وعن قدرة مشروع نشأ في الهامش على الوصول إلى قلب الحسابات الإقليمية.
أما عبارة “ربما مكة قبل غزة”، فتبقى سؤالًا مفتوحًا لا نبوءة… هل بدأت المنطقة فعلًا تشهد انتقالًا جديدًا لمركز الثقل، من المراكز التقليدية إلى الأطراف؟ أم أن ما نراه اليوم ليس سوى مرحلة أخرى من مراحل الصراع الإقليمي المتحرك؟
الإجابة، في نهاية المطاف، لن تحددها الشعارات وحدها، ولا الخرائط العسكرية وحدها، وإنما ما ستكشفه السنوات المقبلة عن قدرة القوى التي صعدت من الأطراف على تحويل حضورها المؤقت إلى تأثير مستدام في شكل المنطقة ومستقبلها.
