الفلسطينيون الحمر
الحلقة الأولى
كميل أبو حنيش
ملاحظة هامة (هذه الدراسة كنت قد اعددتها ونشرتها عام2018 أثناء وجودي في السجن وكانت تستشرف حرب الابادة على غزة،واعيد نشرها على شكل حلقات بعد تدقيقها من بعض الأخطاء الاملائية)
شكّلت المرجعية الدينية التوارتية أساساً في ممارسات العنف والإبادة والتطهير العرقي ليس لما بات يعرف ب “اسرائيل” فحسب، وإنما ايضا للولايات المتحدة التي قامت على جماجم عشرات الملايين من السكان الأصليين، الذين أُطلق عليهم تسمية الهنود الحمر.

لقد وُلدت الحركة الصهيونية من رحم المنظومة الاستعمارية العالمية، ونشأت في أحضانها، حيث رعت هذه المنظومة المتمثلة في بريطانيا، المشروع الصهيوني الاستعماري في فلسطين وساندته في تأسيس ما بات يُعرف بدولة ” إسرائيل” على أنقاض الشعب الفلسطيني، حيث تصدر المشروع الصهيوني الحق التاريخي “لإسرائيل” في فلسطين، ولا تزال دولة الكيان بعد سبعين عاماً على إنشائها تشن الحروب العدوانية على شعوب المنطقة برمتها، أما عن العلاقة الوثيقة التي تربط ” إسرائيل ” بالولايات المتحدة فإلى جانب أنها علاقات محكومة بشبكة معقدة من المصالح السياسية والاستراتيجية والاقتصادية والعسكرية والأمنية بوصف ” إسرائيل” دولة وظيفية قامت في الأصل بتأدية دورها في خدمة المصالح الاستعمارية عموماً والأمريكية على وجه التحديد طوال أكثر من نصف قرن، وإلى جانب تأثير اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة على صناع القرار في الإدارات الأمريكية المتعاقبة لصالح ” إسرائيل” فضلاً عن تأثير ما بات يُعرف بالصهيونية المسيحية في دعم ” إسرائيل” إلا أن ثمة أسباب أخرى تعمق العلاقة الأمريكية الإسرائيلية من حيث التشابه في تأسيس الدولتين والانطلاق من ذات المرجعية الأيديولوجية التي يمكننا أن نطلق عليها ” الأيديولوجية التوارتية “وبوصفهما كيانين استيطانيين استعماريين قاما على أساس الاستيلاء على أرض الغير وإبادة السكان الأصليين، وممارستهما التطهير العرقي وطمس تاريخ وثقافة البلاد المستعمرة، فإن هذه الأيديولوجية كانت بمثابة المياه الآسنة التي شربت منها جذور هاتين الدولتين، فالولايات المتحدة منذ تأسيسها تمثلت النموذج التوارتي ووصفت نفسها بأنها ” إسرائيل عصرها ” وهي ” إسرائيل المتخيلة”، أما ” إسرائيل” القائمة على أرض فلسطين، فقد اعتبرت نفسها أنها أيضاً امتداد ” لإسرائيل” المتخيلة والأسطورية القديمة.

سنحاول إجراء مقاربة تاريخية لكلا الكيانين وأوجه التشابه بينهما ارتباطاً بالأيديولوجية التوارتية، ومحاولة استشراف المستقبل الفلسطيني في ضوء الهجمة الصهيونية العدوانية المستمرة ليس على فلسطين فحسب، وإنما على شعوب المنطقة برمتها.

الأيديولوجية التوارتية المشتركة للولايات المتحدة وإسرائيل

تتضمن التوارة اليهودية 39 سفراً تروي تاريخ اليهودية المتخيلة بدءاً من سفر التكوين وانتهاءً بسفر ملاخي، حيث استمرت عملية كتابة هذه الأسفار مدة تربو على ألف عام، وهذه الأسفار معروفة باختصار (التناخ)( وهي تعني الكتاب المقدس اليهودي ) حيث يرمز الحرف الأول(ت)”توراة” إلى الأسفار الخمسة الأولى التي تعرف بأسفار موسى وهي (سفر التكوين، والخروج، واللاويين ،والعدد، والتثنية،) أما الحرف الثاني( ن)”نفيئيم” تروي أسفار يشوع وصموائيل وعزار وأيوب وآرميا..الخ. والحرث الثالث( الخاء ) وهي أسفار الابتهالات التي كتبها الحاخامات كأسفار المزامير ونشيد والانشاد…وإلى جانب التناخ ،كتاب التلمود الذي يقع في أكثر من عشرين مجلداً إضافة الى العاروخ شولحان، وهذه هي الكتب الدينية اليهودية تشرح باستفاضة، أسس وجوهر اليهودية وتصف اليهود بأنهم شعباً مقدس ومختاراً للإله ” يهوه”، والتناخ بالنسبة المسيحية هو العهد القديم بينما الأناجيل المسيحية الاربعة هي العهد الجديد.

وهذا التناخ بما تضمنه من أسفار لا يقل أهمية عن الأناجيل الأربعة قبل المسيحية، وبهذا فإن ما نسميه ” الأيديولوجيا التوارتية” هي الوعاء التي استُمدت منها الممارسات والفظائع التي سنسلط عليها الضوء بعد قليل والتي قامت بها الجماعات الاستيطانية في القارتين الأمريكيتين، ويمكننا تلخيص هذه الأيديولوجيا التوارتية بالأسس التالية:

1- أرض الميعاد

أرض الميعاد التي منحها ” الاله يهوه” إلى اليهود حسب المزاعم التوراتية، ويبدأ هذا الوعد في سفر التكوين من جانب يهوى الذي قال لإبراهيم:

«أُعطي لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك، كل أرض كنعان ملكاً أبدياً. وأكون إلههم» (التكوين 17: 8)

ثم يأتي تأكيد هذا الوعد لإسحق ومن ثم ليعقوب، وفي ذات سفر التكوين يؤكد ليعقوب:

«الأرض التي أنت مضطجع عليها أعطيها لك ولنسلك» (التكوين 28: 13)

وتتواصل عملية الوعد الإلهي أكثر من مرة في مختلف أسفار التوراة. بعد خروج القبائل اليهودية من مصر يعيد الاله ” يهوى” التأكيد على الوعد وهذه المرة لموسى:

«إني قد رأيت مذلة شعبي الذي في مصر وسمعت صراخهم …. إني علمت أوجاعهم، فنزلت لأنقذهم من أيدي المصريين، وأصعدهم من تلك الأرض إلى أرض جيدة وواسعة، إلى أرض تفيض لبناً وعسلاً، إلى مكان الكنعانيين والحثيين والأموريين والفريزيين والحويين واليبوسيين» (الخروج 3: 7–8)

ويكرر مرة أخرى لموسى:

«متى أدخلك الرب أرض الكنعانيين كما حلف لك ولآبائك، وأعطاك إياها» (الخروج 13: 11)

ويكررها مرة أخرى لموسى:

«اذهب اصعد من هنا أنت والشعب الذي أصعدته من أرض مصر إلى الأرض التي حلفت لإبراهيم وإسحاق ويعقوب قائلاً: لنسلك أعطيها» (الخروج 33: 1)

ويكررها مرة أخرى لموسى:

«أرسل رجالاً ليتجسسوا أرض كنعان التي أنا معطيها لبني إسرائيل. رجلاً واحداً لكل سبط من آبائه ترسلون. كل واحد رئيس فيهم» (العدد 13: 2)

إذن الأساس الأول لهذه الأيديولوجيا هي الأرض الموعودة وأرض الميعاد التي توعد بها الرب ” يهوى” قبائل ” بني إسرائيل” بالاستحواذ على أرض كنعان.

2- شعب الله المختار

أما الأساس الثاني لهذه الأيديولوجيا فهي صفة “الشعب المختار” اليهودي باعتبارهم شعباً مقدساً، وسنجد هذه النصوص التوراتية التي تضفي قداسة على الجماعة اليهودية وحدها دون بقية الشعوب:

«أنا الرب الذي يقدسكم» (اللاويين 20: 8)

وأيضاً:

«أنا الرب أقدسكم» (اللاويين 20: 8)

وأيضاً:

«أنا الرب إلهكم الذي ميزكم من الشعوب» (اللاويين 20: 24)

وأيضاً:

«وتكونون لي قديسين» (اللاويين 20: 26)

«وأنتم تكونون لي شعباً» (اللاويين 20: 26)

«وأنتم فوق جميع الشعوب» (التثنية 26: 19)

وأيضاً:

«لأنك أنت شعب مقدس للرب إلهك. إياك قد اختار الرب إلهك لتكون له شعباً أخص من جميع الشعوب الذين على وجه الأرض» (التثنية 7: 6)

وحسب هذا الفهم فإن القداسة تقتضي الاختيار بمعنى أن ” إسرائيل” مقدسة، ولهذا فقد اختارها الاله لتكون شعباً مختاراً له.

3- لعنة كنعان

وبما أن اليهود شعباً مقدساً فإن ذلك يقتضي أن يكون بقية الشعوب ملعونة، وقد كرست النصوص التوراتية حيزاً من صب اللعنة والكراهية على الشعب الكنعاني. أما سبب هذه اللعنة فيعود إلى أسباب ساذجة وخرافية، حيث تروي النصوص التوراتية الحادثة التي وقعت في سفينة نوح أثناء الطوفان فبينما كان نوح نائماً في السفينة:

«أبصر حام أبو كنعان عورة أبيه، وأخبر أخويه خارجاً. فأخذ سام ويافث الرداء ووضعاه على أكتافهما ومشيا إلى الوراء، وسترا عورة أبيهما ووجهاهما إلى الوراء، فلم يبصرا عورة أبيهما. فلما استيقظ نوح من نومه، علم ما فعل به ابنه الصغير، فقال: ملعون كنعان! عبد العبيد يكون لإخوته. وقال: مبارك الرب إله سام. وليكن كنعان عبداً لهم. ليفتح الله ليافث فيسكن في مساكن سام، وليكن كنعان عبداً لهم» (التكوين 9: 22–27)

4- رب الجنود والدعوة لإبادة الشعوب

وتغص النصوص التوراتية بالروايات المرعبة عن الحروب والإبادة الجماعية التي شنها الشعب المختار بتوجيهات من الاله ” يهوه” الذي يجري وصفه بأنه (رب الجنود)، الرب هو رب الحرب، وهكذا يتوج سفر الخروج الرب بوصفه إلهاً للحرب يرعى قبائل بني ” إسرائيل” ومحارباً نيابةً عنهم محرضاً هذه القبائل على الحرب:

«يسمع الشعوب فيرتعدون. تأخذ الرعدة سكان فلسطين، حينئذ يندهش أمراء أدوم. أقوياء موآب تأخذهم الرجفة. يذوب جميع سكان كنعان، تقع عليهم الهيبة والرعب. بعظمة ذراعك يصمتون كالحجر حتى يعبر شعبك يا رب. حتى يعبر الشعب الذي اقتنيته، تجيء بهم وتغرسهم في جبل ميراثك، المكان الذي صنعته يا رب لسكنك، المقدس الذي هيأته يداك يا رب» (الخروج 15: 14–17)

ثم يواصل إله الحرب التوراتي حثه على الحرب:

«فإني أطرد الأمم من قدامك وأوسع تخومك، ولا يشتهي أحد أرضك حين تصعد لتظهر أمام الرب إلهك ثلاث مرات في السنة» (الخروج 34: 24)

ثم يبدأ بالتهيئة لخوض الحرب:

«إنكم عابرون الأردن إلى أرض كنعان فتطردون سكان الأرض من أمامكم وتمحون كل تصاويرهم وتبعدون أصنامهم المسبوكة وتخربون كل مرتفعاتهم وتملكون الأرض وتسكنون فيها لأني قد أعطيتكم الأرض لكي تملكوها وتقتسمون الأرض بالقرعة حسب عشائركم. وإن لم تطردوا سكان الأرض من أمامكم يكون الذين تستبقون منهم أشواكاً في أعينكم ومناخس في جوانبكم ويضايقونكم على الأرض التي أنتم ساكنون فيها» (العدد 33: 51–53، 55)

إذن هي دعوة للإبادة والتطهير العرقي الشامل:

«وتطردون أعداءكم فيسقطون أمامكم» (اللاويين 26: 7)

«وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيباً فلا تستبقِ منها نسمة ما» (التثنية 20: 16)

«ويبيدهم ويذلهم أمامك، فتطردهم سريعاً» (التثنية 9: 3)

وبعد الإبادة الشاملة يدعوهم رب الجنود إلى:

«وتمحون اسمهم من ذلك المكان» (التثنية 12: 3)

ومن ثم يدعوهم لعدم السماح لهم بالسكن في الأرض الموعودة:

«لا يسكنون في أرضك لئلا يجعلوك تخطئ إليّ» (الخروج 23: 33)

وهكذا إذن توجيهات رب الجنود لتهيئة شعب الله المختار للاستيلاء على الأرض بعد إبادتهم لها ومحو ماضيهم من المكان، وهذه هي النصوص التي هيأت إلى إشاعة الإبادة الأسطورية التي يرويها سفر يشوع.

5- سفر يشوع نموذجاً

أما الأساس الخامس لهذه الأيديولوجيا فيتمثل بسفر يشوع التوراتي، وهو يروي المذابح والإبادات الأسطورية التي ارتكبها جنود يشوع ضد المدن الكنعانية بمباركة وتحريض رب الجنود التوراتي والتعصب لشعبه، ويروي هذا السفر بداية حصار مدينة أريحا الكنعانية ومن ثم اقتحامها وإبادة بشرها وحيواناتها:

«وحرموا كل ما في المدينة من رجل وامرأة، من طفل وشيخ، حتى البقر والغنم والحمير، بحد السيف» (يشوع 6: 21)

ولم ينجوا من هذه المذبحة الفظيعة سوى العاهرة “راحاب” التي خبئت جواسيس يشوع بن نون قبل دخوله المدينة، ولكن رب الجنود لم يكتفِ بهذه المذبحة بل راح يحرض يشوع على شن المزيد من حروب الإبادة:

«لا تخف ولا ترتعب. خذ معك جميع رجال الحرب، وقم اصعد إلى عاي. انظر. قد دفعت بيدك ملك عاي وشعبه ومدينته وأرضه، فتفعل بعاي وملكها كما فعلت بأريحا وملكها. غير أن غنيمتها وبهائمها تنهبونها لأنفسكم. اجعل كميناً للمدينة من ورائها» (يشوع 8: 1–2)

وعاي هي إحدى المدن الكنعانية التي جرى حسبما يروي سفر يشوع:

«وضربوهم حتى لم يبق منهم شارد ولا منفلت، وكان لما انتهى إسرائيل من قتل جميع سكان عاي في الحقل في البرية حيث لحقوهم وسقطوا جميعاً بحد السيف حتى فنوا، أن جميع إسرائيل رجع إلى عاي وضربوها بحد السيف» (يشوع 8: 22–24)

ويواصل السفر سرد عشرات المذابح المرتكبة بحق المدن والبلدات الكنعانية، أما بقية أسفار التوراة فتغزل على ذات المنوال باستحضار هذه المذابح والتحريض الدائم من جانب رب الجنود بارتكاب المزيد منها.

هذه هي الأسس الخمسة للأيديولوجيا التوراتية، وهذا هو الإطار الفكري الذي تمثله المستعمرون البيض في القارتين الأمريكيتين لاسيما في القارة الشمالية وتحديداً فيما بات يُعرف بالولايات المتحدة، وكذلك ما تمثله الحركة الصهيونية وهي تنشئ دولتها الأسطورية المتخيلة في نصوص التوراة.