إن المقاربة الأيديولوجية التي تقرن المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي بالسياسي الفلسطيني نايف حواتمة، وتؤاخي بين الثائر الأممي الطبيب تشي جيفارا والحكيم الطبيب جورج حبش، لا تصنع مجرد مجاورة تاريخية عابرة، بل تفكك الاشتباك الأزلي في بنية الفكر الاشتراكي وحركات التحرر الوطني بين عقلانية البنية الفوقية واندفاعة الخندق الأيديولوجي المباشر. ففي الوقت الذي غرق فيه غرامشي في تفكيك آليات “الهيمنة الثقافية” وصياغة أدوات الوعي الطبقي من داخل زنزانته الفاشية، وتبعه حواتمة في عقلنة الفعل الفلسطيني عبر أدلجة الجبهة الديمقراطية، كان جيفارا وحبش —وكلاهما تخرّج من كليات الطب حاملاً مبضع الجرّاح ليستأصل به أورام الرأسمالية والاستعمار— يكتبان سفر الثورة بالحديد والنار والمواجهة المباشرة. هذا التمايز اللينيني لم يكن ترفاً نظرياً، بل كان مخاضاً فلسفياً عسيراً حول توقيت وآلية تفجير البؤرة الثورية وكيفية إدارة الصراع الوجودي ضد معسكر الإمبريالية وحلفائه على الأرض، وهو ما يفتح الباب واسعاً لاستكشاف نظرة غرامشي وجيفارا للقادة الفلسطينيين المذكورين ومحطات نضالهم.

ويتجلى هذا الشرخ الأيديولوجي بوضوح صاعق عند تشريح “البرنامج المرحلي” (برنامج النقاط العشر) الذي هندسه حواتمة عام 1974، وإخضاعه لمبضع النقد من منظور جيفاري راديكالي خالص؛ وهو البرنامج الذي شكّل خط الارتداد والتراجع في مسار الثورة الفلسطينية المعاصرة. فلو كان الطبيب المقاتل تشي جيفارا حاضراً، لرفض هذا البرنامج جملة وتفصيلاً، واعتبره صك استسلام مبكر وانتكاسة بنيوية أمام الإمبريالية العالمية؛ إذ تقوم الرؤية الجيفارية على حتمية الصدام المطلق ورفض التسويات العبثية مع العدو الصهيوني. إن القبول بدولة مشوهة على أي جزء يُنتزع من الأرض كخطوة تكتيكية، يمثل في عرف جيفارا تدجيناً للثورة وتحويلاً للفدائي المقاتل إلى موظف يبحث عن شرعية دولية ضمن النظام العالمي البرجوازي، مما يؤدي بالضرورة إلى قتل “البؤرة الثورية” واستبدال الكفاح المسلح العابر للقارات بدهاليز الدبلوماسية العفنة التي تجهض روح الجماهير وتخدم مصالح الاستعمار.على المقلب الآخر من التحليل،

وبنظرة سياسية مغايرة، فإن أنطونيو غرامشي كان سينظر إلى هذا “البرنامج المرحلي” بعين القبول والتقدير الاستراتيجي، معتبراً إياه تجسيداً عبقرياً لمفهومه المركزي “حرب المواقع” .ففي فلسفة غرامشي السياسية، لا تنجح الثورات دائماً بـ “حرب المناورة” أو الهجوم العسكري الخاطف والمكشوف إذا كانت موازين القوى المادية مائلة بشكل ساحق لجهة العدو؛ بل يتطلب الأمر أحياناً تراجعاً تكتيكياً لبناء الركائز، وانتزاع مؤسسات، ومراكمة اعترافات سياسية تدريجية تحمي الذات الثورية من السحق. وبناءً عليه، كان غرامشي سيعتبر برنامج حواتمة مناورة بارعة لإنشاء “موطئ قدم” أو كيان وطني صلب يُنتزع من براثن الهيمنة الصهيونية، ليتحول هذا الكيان لاحقاً إلى قاعدة انطلاق لوجستية وحاضنة جماهيرية تراكم الوعي وتجمع القوة المادية تمهيداً لقفزة التحرير الشامل والدائم.

هذا الفرز الأيديولوجي الحاد حول التكتيك والسياسة ينعكس حتماً عند تشريح القيادة الكاريزمية التاريخية، وفي طليعتها الزعيم ياسر عرفات (أبو عمار)، حيث تتصادم النظريات في تقييم ظاهرة “الفدائي الدبلوماسي”. فمن جهة، كان غرامشي سيرى في عرفات تجسيداً حياً لـ “المثقف العضوي” الذي لم يعتكف في صوامع التنظير الباردة، بل انصهر في مسام الطبقات المسحوقة ليصوغ منها وعياً جمعياً موحداً. وسيرى غرامشي في “الختيار” القائد الفذ الذي نجح في صهر شتات الفلسطيني الممزق بين خيام اللجوء وزنازين المنافي في بوتقة هوية وطنية واحدة وجامعة اسمها منظمة التحرير الفلسطينية، مثمناً براعته في إدارة “حرب مواقع” سياسية معقدة لانتزاع اعتراف دولي بالفلسطينيين كـ “شعب” له كينونة سياسية، وهي ضربة بنيوية لتفكيك الهيمنة المعرفية الصهيونية عالمياً.لكن الطبيب الثائر تشي جيفارا كان سيخضع تجربة عرفات لتحليل مادي صارم، لينقلب من التأييد المطلق في البدايات إلى الإدانة والنقد اللاذع في النهايات، قاطعاً سيرته إلى مرحلتين لا تلتقيان. ففي مرحلة الكفاح المسلح الأولى، وصعود حركة فتح ومعركة الكرامة, كان جيفارا سيعشق “عرفات الفدائي”؛ ذلك المقاتل المحتجب بالكوفية وبذلة الميدان، الذي يتبنى حرب العصابات من النقطة صفر كأداة وحيدة لتفجير المنطقة ضد الاحتلال وربيبته الإمبريالية الأمريكية.غير أن جيفارا كان سينقلب بنقمة ثورية عارمة على عرفات في مرحلته السياسية اللاحقة، معتبراً خطيئة “اتفاقية أوسلو” والمساومة على البندقية مقابل سلطة حكم ذاتي هزيل تحت حراب الاحتلال بمثابة خيانة وجودية لروح الثورة، وسقوطاً مدوياً في فخ التدجين الاستعماري الذي استبدل طهر الميدان بنجاسة الدبلوماسية البرجوازية.

وفي هذا الامتداد الكفاحي، يقتحم القائد الشهيد يحيى السنوار المشهد التاريخي كنموذج راديكالي معاصر كان سيمتزع إعجاباً مطلقاً ومستحقاً من غرامشي وجيفارا معاً، معيداً الاعتبار للأطروحات الكلاسيكية في قلب القرن الحادي والعشرين.فمن منظور غرامشي، نجح السنوار في هندسة وتطبيق مفهوم “الكتلة التاريخية” بأبهى صورها الشعبية والوطنية؛ حيث استطاع دمج القوى المقاومة بمختلف مشاربها الأيديولوجية والاجتماعية في خندق طبقي ووطني واحد ضد المستعمر، ومخاطبة العقل الجمعي العربي والعالمي وحشد الحاضنة الشعبية وتثبيتها. لقد حوّل السنوار غزة المحاصرة والمجوّعة إلى كتلة بشرية وفولاذية صلبة استعصت على التفكيك أو الكسر، مقدماً البرهان على أن القيادة العضوية هي التي تلتحم بالجماهير في لحظة الاشتباك الكبرى ولا تساوم على وعيها.أما من منظور الطبيب جيفارا، فإن السنوار يمثل البعث الحقيقي والذروة لـ “العمل الثوري المسلح” وحرب الشعب طويلة الأمد، كاسراً عقوداً من العجز الدبلوماسي والمداهنة السياسية. فمن خلال إطلاقه للمبادرة العسكرية الشاملة، أعاد السنوار الاعتبار لـ “نظرية البؤرة الثورية” في أعتى تجلياتها، مبرهناً بالدم على أن الاشتباك المباشر والمسلح من مسافة صفر هو الأداة الوحيدة القادرة على خلخلة موازين القوى الدولية وتهشيم غطرسة المنظومة الإمبريالية.

لقد جسد السنوار العقيدة الماركسية اللينينية بأن مواجهة الإمبريالية والصهيونية هي أولوية مطلقة وقصوى لا تقبل التأجيل، وأن خيار الأنفاق والرصاص هو اللغة الوحيدة الكفيلة بإعادة القضية إلى صدارة التحرر العالمي وصناعة فجر جديد.هذا النموذج الجماهيري المقاتل الذي صاغه السنوار، يدفعنا لتصور مراجعة غرامشي البنيوية الهادفة لقوى اليسار المعاصر عموماً في شتى بقاع الأرض، معرياً عجزها الفاضح وعقمها السياسي في بناء “الكتلة التاريخية”.

لم يكن هدف غرامشي التقليل من تضحيات اليسار، بل لفت الانتباه إلى خطورة التقوقع في أطر نخبوية وضمن نقاشات نظرية معزولة عن تطلعات الشارع، مما أفقدها القدرة على قيادة تحالف واسع يضم العمال والفلاحين والمثقفين والحواضن الشعبية المتضررة من السياسات النيوليبرالية والظلم الاستعماري. إن بناء الكتلة التاريخية يتطلب من اليسار الحالي تجاوز الحسابات التنظيمية الضيقة، ومد الجسور مع كافة القوى الحية والمقاومة على الأرض لتشكيل جبهة عريضة قادرة على كسر الهيمنة الفكرية والمادية للنظام السائد، وإعادة الاعتبار للمشروع الوطني الجماهيري.وعند وضع التجربتين الكلاسيكيتين في ميزان التاريخ والمآل، يسطع بوضوح أن تجربة الطبيب جيفارا الميدانية حققت انتصاراً مادياً ملموساً ونجاحاً تاريخياً أكبر بكثير من تنظيرات غرامشي التي تآكلت في السجون؛ فنظرية حرب العصابات الجيفارية لم تبقَ حبراً على ورق، بل تُرجمت فوراً إلى زلزال ثوري أطاح بنظام باتيستا العميل وأسس دولة اشتراكية صخرية صمدت عقوداً بوجه أعتى حصار إمبريالي في التاريخ.

في المقابل، تجرّعت تجربة غرامشي مرارة الهزيمة التاريخية؛ حيث عجز الحزب الشيوعي الإيطالي عن اختراق الهيمنة البرجوازية الغربية وتفكيكها، وتحولت “دفاتر السجن” مع مرور الزمن من دليل للمستضعفين يصنعون به الثورة على الأرض، إلى مجرد مادة للاستهلاك النخبوي في الصالونات السياسية في قاعات الجامعات الغربية.وفي المحصلة الختامية، تذوب كل التباينات التكتيكية بين هؤلاء الرموز لينصهروا جميعاً في بوتقة واحدة تتجاوز أزمنتهم، وهي تجسيدهم الطليعي لمفهوم البراكسيس (Praxis)، ومدى انطباقه الجدلي على مسيراتهم؛ بما في ذلك تجربة ياسر عرفات التي انقسمت بين براكسيس المقاومة ومؤسساتها، والبراغماتية المتأخرة التي أبعدته عن هذا التوازن.

وهنا يبرز الشهيد أبو علي مصطفى كنموذج حي ومثالي لهذا البراكسيس؛ إذ لم يكن مجرد قائد يجتر الشعارات، بل كثف الرؤية النظرية والهدف السياسي في ممارسة عملية ميدانية واضحة حين أطلق مقولته التاريخية المدمرة لأوهام التسوية: “عدنا لنقاوم لا لنساوم”، محولاً الكلمة إلى خطة اشتباك بالدم. فالبركسيس، باعتباره الانصهار الحتمي والواعي بين النظرية الثورية والممارسة العملية الشرسة، يظل هو المعيار الأوحد لصدق الفعل التغييري، وما زالت الأجنحة المسلحة لليسار الفلسطيني تؤكد هذا الحضور الميداني كأداة وفية لخطها؛ حيث تواصل كتائب الشهيد أبو علي مصطفى (رفاق جورج حبش) وقوات الشهيد عمر القاسم (رفاق درب نايف حواتمة) خوض معارك الاشتباك المباشر، لتثبت هذه التشكيلات بالدم والوعي أن الثورة لا تموت ما دام هناك مقاتل يحمل الفكرة ويمارسها في خندق المواجهة، لكن تبقى مشكلة اليسار في المنطقة عموماً في عجزه عن تشكيل “الكتلة التاريخية” واكتفائه بالاندماج بالقوى الحية المقاومة.

أبو الأمير_ القدس