هندسة الفجور: بن غفير يحول الموت إلى “متعة بصرية” ووجبة ترفيهية للجمهور المتوحش.
في مشهد يجسد أدق معاني الانحطاط الأخلاقي والقانوني لمنظومة الاحتلال، لم يعد القتل العمد والبطش الممنهج يمارسان في الخفاء، بل يتحولان علناً إلى “عرض مسرحي” مدروس. إن الإعلان الأخير لوزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، عن الشروع في بناء منشأة إعدامات مجهزة بالمشانق ومنصات للمشاهدة، يمثل سقطة مدوية تسقط آخر أوراق التوت عن وجه الاحتلال. هذه الخطوة لا تكشف فقط عن رغبة محمومة لسلب الأرواح، بل تسعى لتدنيس إنسانية الضحية وتحويل موتها إلى “متعة بصرية” و”فرجة جماعية”.
منصات المشاهدة: حين يصبح الموت فرجة جماعية
إن بناء منصات تتيح للجمهور أو حتى لعائلات الضحايا مشاهدة عمليات الشنق لا يعكس مجرد قسوة مطلقة، بل يشي بتحول سيكولوجي خطير وعميق داخل بنية المجتمع الإسرائيلي والطبقة السياسية الحاكمة:
هندسة الكراهية: لا يقتصر الأمر على تنفيذ عقوبة إعدام (وهي بحد ذاتها عقوبة مرفوضة إنسانياً وغير قابلة للتراجع)، بل يتعدى ذلك إلى هندسة بيئة تفاعلية تقدس سفك الدماء وتستمتع به.
التجرد المطلق من الإنسانية: تحويل لحظة خروج الروح إلى مشهد ترفيهي أو استعراضي يعيد للأذهان عصور التوحش والظلام، حيث يُستباح الدم ويُحتفى بالألم العلني.
صناعة الجمهور المتوحش: هم لا يجهزون للإعدامات فحسب، بل يجهزون الجمهور لتشجيع القتل واستهلاك العنف وكأنه مادة إعلامية أو ترفيهية رخيصة تروي ظمأ التطرف.
العدالة العسكرية: مقصلة مقننة للاحتلال
إن هذا القانون المستهدف بالأساس الأسرى الفلسطينيين في الضفة الغربية عبر المحاكم العسكرية الإسرائيلية يوضح بما لا يدع مجالاً للشك طبيعة النظام الاستعماري:
فقدان شرعية القضاء: المحاكم العسكرية الإسرائيلية ليست سوى أداة قمع استعمارية صُممت لتشريع الجريمة وليست منصات لتحقيق العدالة، بل هي خط إنتاج للمشانق.
التمييز المنهجي والفصل العنصري: تطبيق هذه القوانين بشكل حصري وتفضيلي ضد الفلسطينيين يكرس نظام فصل عنصري (أبرتهايد) صارخ، يعامل الإنسان الفلسطيني ككائن مباح الدم لا يحظى حتى بأدنى حقوق المتهم العادل.
خطاب الإجرام كسياسة رسمية للدولة
لا يمكن فصل هذا الإعلان عن السياق الأوسع لخطاب بن غفير وزمرته المتطرفة التي تحكم اليوم مفاصل القرار:
أحلام المشانق: اعترافات بن غفير السابقة بحلمه بالمشانق، وتصريحاته المستمرة المطالبة بإبادة الآلاف في غزة كل ليلة، تعكس عقيدة سياسية تقوم على الإبادة الجماعية والتطهير العرقي.
التطبيع مع الوحشية: إن ترك هذه الخطابات والممارسات دون ردع دولي حقيقي يعطي الضوء الأخضر لتحويل التوحش إلى سياسة دولة معتمدة وممنهجة.
الخاتمة: لا تنظر بعيداً.. ولا تطبع مع الموت
إن ما يُحاك اليوم في سجون الاحتلال ومحاكمه العسكرية ليس شأناً محلياً، بل هو اختبار أخلاقي صارخ لضمير الإنسانية جمعاء. إن تحويل كرامة الإنسان وحياته إلى مادة للاستعراض يجب أن يثير اشمئزاز وازع كل ضمير حي بغض النظر عن الانتماءات:
الرفض القاطع: رفض تطبيع العنف والقتل الممنهج تحت أي غطاء قانوني زائف.
كسر الصمت: الحفاظ على القضية الفلسطينية حية في الوعي العالمي وفضح هذه الممارسات.
رفض غض الطرف: إدراك أن الصمت على هذه الجرائم هو شراكة صريحة في استمرارها.
د. نبيلة عفيف غصن
