هل تفجر الخلافات حول رؤية اليوم التالي للحرب في غزة حكومة نتنياهو؟



​تتداعى أركان الكيان الصهيوني المتساقط في أتون أزمات وجودية غير مسبوقة، لم تعد تقارير إعلامه العبري ولا مراكز أبحاثه قادرة على إخفائها خلف شعارات “المرونة المؤقتة” أو الوهم الاقتصادي. إن ما يجري اليوم هو تفكك تدريجي ومتسارع لبنيان دولة الاحتلال من الداخل، حيث تتشابك الهزائم العسكرية والاستراتيجية مع أزمات اقتصادية بنيوية، وانقسامات سياسية تهدد بحرب أهلية وشيكة، وبرميل بارود يغلي في الضفة الغربية المحتلة، وعزلة دولية وإقليمية تكشف عجز الغطرسة الأمريكية عن حماية هذا المشروع المصطنع.
​ الوهم الاقتصادي والتآكل الخفي.. الديون التي تلتهم مستقبل الكيان
​يحاول عرابو الاقتصاد الصهيوني تسويق صورة زائفة عن “مرونة” الاقتصاد قدرتها على امتصاص صدمات الحرب المستمرة منذ سنوات، لكن الحقيقة المرة التي تكشفها لغة الأرقام تفيد بأن الكيان يسير بخطى حسيرة نحو الهاوية المالية:
​تضخم الدين العام: قفز الدين العام ليصل إلى نسب كارثية تتجاوز 70% من الناتج المحلي الإجمالي، مع توقعات بارتفاعه إلى أكثر من 84% بفعل الجنون العسكري والميزانيات الهائلة المخصصة للتسليح والعدوان.
​سرقة مدخرات الشعب: تعتمد حكومة الاحتلال بشكل أساسي على تمويل حربها من خلال نهب مدخرات المستوطنين وصناديق التقاعد المحلية (حيث تأتي 85% من القروض من الداخل)، مما يعني أن المؤسسات الصهيونية تمول آلة القتل من لقمة عيش جمهورها ومستقبل تقاعده.
​فقاعات وهمية ومسكنات مؤقتة: إن ما يُظهر الاقتصاد الإسرائيلي كأنه “صامد” ليس سوى مسكنات مرتبطة بطفرة الذكاء الاصطناعي العالمية (مثل استثمارات “إنفيديا” و”ويز”) وعقود شركات السلاح التي تقتات على دماء الشعوب في صراعات أوروبا، وهي عوامل خارجية لا علاقة لها بقوة الكيان الذاتية، بل تعتمد على تقلبات الأسواق العالمية.
​عجز ميزانية الدفاع: غياب الرقابة الفعالة على ميزانية الجيش والإنفاق العسكري المفرط يمثلان نزيفاً دائماً سيخنق الاقتصاد ويدفعه نحو شلل تام فور انقشاع غبار المعارك.
​”إن تكلفة حرب الاستنزاف المفتوحة تقترب بخطى حسيرة من نصف تريليون شيكل، وما يُباع للجمهور من أوهام الانتعاش المالي ليس سوى تغطية على انهيار بنيوي بعيد المدى.”

شباك الانقسام السياسي وحرب الوجود الداخلية.. 27 أكتوبر كموعد محتوم للفوضى

​لم يعد الصراع السياسي في الكيان محصوراً بين يمين ويسار، بل تحول إلى صراع بقاء بين زمرة حاكمة مستميتة في السلطة ومعسكر معارضة يدرك أن أي خسارة تعني نهاية الحلم الصهيوني بصيغته الحالية:

​سقوط نتنياهو وحتميّة الهزيمة: تشير استطلاعات الرأي والديناميكيات السياسية الحالية إلى عجز بنيامين نتنياهو ومعسكره عن حجز أغلبية الـ 61 مقعداً في الكنيست، وسط تراجع حاد لشعبية “الليكود” وتشرذم أصوات اليمين بين أحزاب ومغامرين جدد.
​شبح الحرب الأهلية: مع اقتراب موعد انتخابات تشرين الأول/أكتوبر، تلوح في الأفق بوادر رفض قاطع من معسكر نتنياهو للاعتراف بالهزيمة، واتهام مؤسسات الدولة العميقة والقضاء بتزوير الإرادة الشعبية، مما ينذر باصطدام دموي وشيك في الشوارع.
​الفرار الليبرالي: حالة الهلع المستشري دفعت أعداداً متزايدة من النخب والمستوطنين للتفكير بترك الكيان والهرب نحو الخارج، قناعةً منهم بأن الدولة باتت تعجز عن توفير الحد الأدنى من الأمان الفردي والجماعي.
برميل بارود الضفة وعجز المؤسسة العسكرية.. الانفجار الذي لا رجعة فيه

​تشهد الضفة الغربية المحتلة غلياناً غير مسبوق، وسط تفلت إرهاب المستوطنين المدعوم علناً من أقطاب الفاشية في الحكومة (مثل بن غفير وسموتريتش)، مما يضع جيش الاحتلال أمام مأزق مميت:

​تطبيع إرهاب المستوطنين: غياب إنفاذ القانون، والانقطاع التام في التنسيق بين الجيش والشرطة، وتمرّد القيادات الأمنية للشرطة على توجيهات الجيش خدمةً للأجندات الحزبية، أدى إلى خلق بيئة حاضنة لعصابات المستوطنين التي تهدد بإشعال انتفاضة واسعة النطاق.
​رعب القيادة العسكرية: يقر كبار جنرالات الجيش في جلسات مغلقة بأن أي عملية إحراق أو قتل جماعي جديدة ينفذها المستوطنون بحق القرى الفلسطينية ستكون بمثابة الشرارة التي تدفع الجماهير الفلسطينية غير المنخرطة حالياً إلى هجوم مضاد ومقاومة مسلحة شاملة تعجز التشكيلات العسكرية المنهكة عن مواجهتها.
​الصراع على السلطة الإدارية: الابتزاز السياسي الذي يمارسه وزراء اليمين المتطرف للسيطرة على الإدارة المدنية وتفريغ الجيش من صلاحياته يعكس حالة التفكك القيادي وغياب أي رؤية استراتيجية واضحة سوى الهروب نحو التصعيد.
السقوط الاستراتيجي وصعود نظام العالم المتعدد الأقطاب

​بينما يتخبط الكيان في مستنقع أزماته الداخلية، تتكشف عورة مشروعه الإقليمي على صخرة الحقائق الاستراتيجية الصاعدة في الإقليم والعالم:

​سقوط الهيمنة الأمريكية: إن محاولات الإدارة الأمريكية فرض حصار وعقوبات اقتصادية على قوى المقاومة والدول الحرة باءت بالفشل الذريع، وأبرز دليل على ذلك هو التحدي العلني والصريح المتمثل في دعوة إيران لقمة منظمة “شنغهاي” للتعاون الاقتصادي في بيشكيك، بمشاركة عمالقة القارة الآسيوية (الصين، روسيا، الهند، وباريس).
​إفلاس التهديدات الغربية: رسخت الدول الكبرى في آسيا قناعتها بأن عصر الأحادية القطبية والتبعية للقرار الأمريكي قد انتهى بلا رجعة، وبأن التعاون الاستراتيجي والاقتصادي مع طهران وبقية قوى التحرر الإقليمي هو مسار حتمي لا ترهبه العقوبات.
​العزلة المطبقة: يقف الكيان الصهيوني اليوم معزولاً، منبوذاً، ومحاصراً بروح المقاومة الممتدة من فلسطين إلى كل عواصم الشرف والرفض للهيمنة، بينما تتهاوى أساطير الردع واحدة تلو الأخرى.

​إن الكيان المؤقت يمر بمرحلة الشيخوخة الاستراتيجية والتآكل الداخلي السريع؛ فاقتصادياً يعيش على مسكنات الديون والقروض الداخلية، وسياسياً يقف على حافة حرب أهلية مدمرة، وعسكرياً يتخبط بين جبهات استنزاف عاجزة وتهديدات متفجرة في الضفة، وإقليمياً ودولياً يترنح أمام صعود نظام عالمي جديد يلفظ الهيمنة الأمريكية. إنها بداية النهاية لمشروع استيطاني ولد ميتاً، ولن تنفعه كل محاولات التجميل الإعلامي في إخفاء حتمية الزوال.

د. نبيلة عفيف غصن