​يمثل الحادث الصادم الذي تعرض له ثمانية من أعضاء فريق شبكة NBC News، جراء تعرضهم للضرب المبرح على أيدي المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية المحتلة، أكثر بكثير من مجرد اعتداء عابر أو حادثة ميدانية معزولة. إنه فضيحة كبرى تكشف بوضوح قناع “دولة القانون” الذي تتجمل به إسرائيل، وتعرّض التواطؤ الأمريكي الفاضح لتعرية كاملة، تماماً كما لخصه المفكر والكاتب الإيراني-الأمريكي ترتا بارسي في تحليله النافذ.

​إن هذا الحدث يضعنا أمام حقائق دامغة لا يمكن الهروب منها:

​1. الضوء الأخضر المؤسسي: عندما يتحول المستوطنون إلى أذرع دولة فوق القانون
​الجرأة المستمدة من القرار السياسي: لم يكن لقطعان المستوطنين أن يقدموا على الاعتداء بوحشية علنية على طاقم إعلامي أمريكي يمثل شبكة إخبارية كبرى لولا إدراكهم المطلق بأنهم ينفذون رغبة غير مكتوبة، وبأنهم يحظون بضوء أخضر صريح من حكومة الاحتلال الإسرائيلي اليمينية المتطرفة.
​سياسة الإفلات الممنهج من العقاب: التعذيب والضرب والاعتداءات المستمرة في الضفة الغربية لم تعد تصرفات فردية لعناصر خارجة عن القانون، بل أصبحت جزءاً لا يتجزأ من عقيدة أمنية وسياسية تهدف إلى طرد السكان الأصليين وترهيب كل من يحاول نقل الحقيقة، بغض النظر عن جنسيته أو صفته المهنية.
​2. الصمت الأمريكي المريب وتواطؤ السفارة: هل الدم الأمريكي رخيص؟
​العجز المفتعل للإدارة الأمريكية: لعل النقطة الأكثر دلالة في المشهد هي السؤال الجوهري: كيف يجرؤ المستوطنون على فعل ذلك بمواطنين أمريكيين؟ الجواب القاسي يكمن في ثقة الحكومة الإسرائيلية المطلقة بأن الإدارة الأمريكية – وفي مقدمتها الأجهزة الدبلوماسية وسفراء مثل مايك هوكابي (السفير الأمريكي لدى إسرائيل) – لن تحرك ساكناً، ولن ترفع إصبعاً واحداً للدفاع عن رعاياها أو حفظ كرامتهم الوطنية.
​سقوط السيادة الوطنية لصالح الأجندة الصهيونية: عندما تتهاوى هيبة الدولة العظمى الأولى في العالم أمام بطش مستوطن في بؤرة استيطانية غير شرعية، فهذا يعني أن الاعتبارات السياسية والموالاة المطلقة لتل أبيب تعلو فوق حقوق المواطن الأمريكي وسلامته الشخصية. الصمت الرسمي الأمريكي ليس مجرد عجز، بل هو مشاركة ضمنية في الجريمة وتوفير غطاء دبلوماسي لاستمرار العربدة.
​3. انهيار قواعد الاشتباك الإعلامية والأخلاقية
​استهداف الحقيقة: لم يتردد المستوطنون في مهاجمة الصحفيين لأنهم يدركون أن الكاميرا هي العدو الأكبر لمشروعهم الاستيطاني الإحلالي. طمس الحقيقة وتكميم الأفواه وإرهاب وسائل الإعلام الأجنبية هو السلاح الأبرز لإبقاء جرائم الضفة الغربية في الظل.
​رسالة ردع للجميع: الاعتداء يوجه رسالة واضحة لكل العالم، مفادها أن الحصانة الإسرائيلية مطلقة، وأن القوانين الدولية وحرية الصحافة وحتى حماية المواطنين الأجانب، كلها مبادئ تسقط فور اصطدامها بمشروع الاستيطان الإسرائيلي.
​جذور الاستماتة الأمريكية وبنية التحالف العضوي
​إن فهم أبعاد هذا الهوان المستمر واستماتة الإدارة الأمريكية في الدفاع عن سياسات حليف يتطاول حتى على مواطنيها وصحفييها دون أدنى اكتراث، يتطلب تجاوز قراءة الأحداث كحوادث سياسية عابرة، والغوص في البنية العميقة للعلاقة العضوية بين واشنطن وتل أبيب. إن هذه الاستماتة – حتى عندما تنتهك السياسات الإسرائيلية حقوق ومواطني الصحافة الأمريكية نفسها – ليست مجرد علامة ضعف، بل هي انعكاس لعقيدة استراتيجية ثابتة تحكم المؤسسة الحاكمة في الولايات المتحدة بغض النظر عن الحزب المسيطر في البيت الأبيض.

​ويمكن تفكيك حدود هذا الانصياع والاستماتة الأمريكية إلى عدة محاور:

​1. سقوط مفهوم “المواطنة” أمام مقصلة التحالف العضوي
​الأولويات العليا مقابل المواطن الفرد: في العقيدة الجيوسياسية الأمريكية تجاه إسرائيل، تسقط حقوق المواطن العادي، بل وحتى الصحفي العامل في مؤسسة إعلامية كبرى، فور اصطدامها بالاعتبارات الاستراتيجية الكبرى للتحالف. الدم الأمريكي هنا ليس مقدساً بذاته إذا كان سفكُه يخدم – أو يحدث نتيجة لـ – حماية المشروع الاستيطاني الإسرائيلي.
​الحصانة المطلقة للحليف: واشنطن لا تتعامل مع إسرائيل كحليف تقليدي يمكن خضوعه لمعايير المساءلة القانونية الدولية أو حتى الثنائية، بل تتعامل معها كامتداد أمني واستراتيجي خارج نطاق النقد أو العقاب.
​2. وظيفة السفراء والمبعوثين: عندما تصبح السفارة أداة طمس لا حماية
​الغطاء السياسي المسبق: أن البعثات الدبلوماسية الأمريكية في تل أبيب لم تعد تضطلع بمهمة الدفاع عن رعاياها، بل تحولت إلى غرف عمليات لتبرير الانتهاكات واحتواء الفضائح الإعلامية.

​رسالة الصمت كضوء أخضر: إن امتناع الإدارة عن رفع الإصبع أو التلويح بأي عقوبة أو حتى احتجاج جاد، يترجمه اليمين الإسرائيلي والمستوطنون كإذن مفتوح للمزيد من البطش، ليس فقط ضد الفلسطينيين، بل ضد كل من تجرؤه عيناه على توثيق الحقيقة.
​3. تآكل “القوة الناعمة” والنفاق الإمبراطوري المكشوف
​سقوط معايير حرية الصحافة: إن تعامل واشنطن ببرود مخزٍ مع الاعتداء على طاقم NBC News ينسف ما تبقى من شعارات طالما روجت لها الإدارات المتعاقبة حول “حماية الصحفيين وحرية التعبير عالمياً”. العالم بأسره يرى ازدواجية المعايير الفاضحة: صرخات الاستنكار التلقائية تُرفع فوراً إذا تعرض صحفي غربي لأي أذى في أي مكان آخر في العالم، بينما تتحول إلى همس خجول أو صمت مطبق إذا كان الجاني هو الدولة العبرية ومستوطنوها.
​الانكشاف الأخلاقي: هذا الهوان الأمريكي يرسل رسالة مدمرة لسمعة واشنطن الدولية، مؤكداً أن قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان ليست سوى أدوات استهلاكية للاستخدام الخارجي، وتُطوى فوراً عندما تتعارض مع الخطوط الحمراء الصهيونية.

​إلى أي مدى يمكن أن تستميت واشنطن؟ إلى الحد الأقصى الذي يُفقدها ما تبقى من ماء وجهها. فالتزام الإدارة الأمريكية بحماية الحصانة الإسرائيلية المطلقة يفوق بكثير التزامها بكرامة مواطنيها، وصحفييها، وحتى قوانينها الخاصة. إننا أمام نموذج صارخ لـ “التبعية العكسية”، حيث تبدو القوة العظمى الأولى في العالم عاجزة ومستكينة أمام طغيان حليفها، صاغرةً أمام تفاصيل مشروع استيطاني يتطاول على سيادة العالم أجمع، ويبدأ بانتهاك كرامة مواطنيها على مرأى ومسمع من التاريخ.


إن ما حدث لفريق NBC News ليس حادثاً معزولاً، بل هو مرآة عاكسة لواقع مأساوي: إسرائيل تفعل ما تريد لأنها تعلم أن واشنطن لن تعاقبها، والمستوطنون يفعلون ما يريدون لأن دولتهم تمنحهم الحصانة المطلقة. وبين غطرسة الاحتلال وتخاذل الدبلوماسية الأمريكية، تبقى الحقيقة واضحة وفاضحة: الكرامة الإنسانية وحرية الصحافة تُداسان علناً على أراضي الضفة الغربية المحتلة، بينما يكتفي العالم المتفرج ببيانات الشجب الخجولة التي لا تساوي الحبر الذيُ كتبت به.

د. نبيلة عفيف غصن