ليست صدفة… هناك شيء يُحاك في صمت
فاتنة علي، لبنان/ سورية الطبيعية
««أخطر الحروب ليست دائماً تلك التي نسمع فيها صوت المدافع، بل تلك التي تتغير فيها الخرائط بهدوء، ويحترق فيها المكان، ويُهجَّر الإنسان، ثم يُطلب منه أن يصدق أن كل ما حدث كان مجرد صدفة.»»
من تونس إلى الجزائر، إلى إسبانيا، مروراً بسوريا ولبنان، وصولاً إلى الأرجنتين… حرائق تتكرر، ومساحات تحترق، وقرى وبلدات تواجه خسائر قد تغيّر شكل الحياة فيها إلى سنوات طويلة.
في أوروبا وحدها، تُظهر البيانات الحديثة حجم كارثة الحرائق التي امتدت خلال عام 2026، حيث احترقت مئات آلاف الهكتارات منذ بداية العام. كما وثّق الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر حرائق واسعة في تونس والجزائر وسوريا خلال الأشهر الأخيرة.
قد يقول البعض إن كل حادثة لها ظروفها الخاصة.
وقد يكون ذلك صحيحاً في ظاهر الأمر.
لكن ما الذي يمنعنا من النظر إلى الصورة كاملة؟
وما الذي يجعل مجرد طرح السؤال جريمة في زمن أصبحت فيه المعرفة متاحة، وفي المقابل أصبحت القدرة على إخفاء المعرفة وتوجيهها أكثر تطوراً من أي وقت مضى؟
هل نحن بالفعل أمام سلسلة كوارث منفصلة؟
أم أن تكرار المشاهد في أكثر من دولة ومنطقة يستحق أن يجعلنا نتوقف قليلاً قبل أن نبتلع الرواية الجاهزة؟
لأن النار، في النهاية، لا تحرق الأشجار فقط.
النار تغيّر الجغرافيا.
وتدمّر الاقتصاد.
وتدفع الناس إلى النزوح.
وتجعل مناطق كاملة غير قابلة للحياة لفترات طويلة.
وحين يصبح الإنسان عاجزاً عن العودة إلى أرضه، تبدأ مرحلة أخرى من القصة.
من يبقى؟
ومن يرحل؟
ومن يأتي بعد أن يصبح المكان خالياً؟
وهنا تحديداً يصبح السؤال الديموغرافي مشروعاً.
فالتغيير الديموغرافي لا يحدث دائماً عبر قرارات معلنة أو عبر شاحنات التهجير التي يراها العالم.
أحياناً يكفي أن يصبح المكان غير صالح للحياة.
أن تحترق الأرض.
أن تُدمّر البيوت.
أن تُضرب البنية التحتية.
أن يفقد الإنسان مصدر رزقه.
ثم يصبح الرحيل، بالنسبة إليه، «خياراً».
أي خيار يمكن أن يكون أمام إنسان حُوّلت أرضه إلى مكان لا يستطيع العيش فيه؟
وفي منطقتنا، لسنا أمام فرضية تاريخية مجردة.
فما يجري في غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان يقدم أمام أعيننا نموذجاً واضحاً عن العلاقة بين القوة العسكرية وتغيير الواقع السكاني والجغرافي.
في غزة، لم يعد الدمار حدثاً عابراً يمكن تجاوزه بسهولة. مناطق واسعة تعرضت للضرب والتدمير، وسكانها دفعوا مراراً إلى النزوح من مكان إلى آخر.
وفي جنوب لبنان، تتحدث تقارير وتحقيقات حديثة عن تدمير واسع للقرى والمنازل والبنية المدنية، وعن مناطق أصبح استمرار الحياة الطبيعية فيها أكثر صعوبة بسبب حجم الدمار والاستهداف.
أما في الضفة الغربية، فإن الضغط على الفلسطينيين يتخذ أشكالاً متعددة، من الاستيطان والعنف والاستيلاء على الأرض إلى محاصرة القرى وتهجير سكانها وخلق ظروف تجعل البقاء نفسه معركة يومية.
وفي أكثر من واقعة حديثة، ظهر المشهد بوضوح: اعتداءات، قطع طرق، استهداف للممتلكات، وحصار لمجتمعات فلسطينية، فيما تستمر عمليات تغيير الواقع على الأرض.
فهل يمكن بعد كل ذلك أن نتعامل مع سؤال التغيير الديموغرافي وكأنه «نظرية» لا تستحق النقاش؟
أم أن التاريخ نفسه أثبت أن السيطرة على الأرض تبدأ غالباً بإضعاف قدرة أصحابها على البقاء فيها؟
والأكثر إثارة للانتباه أن العالم يبدو أحياناً وكأنه يُطلب منه أن ينظر في الاتجاه الخطأ.
فبينما تحترق مناطق وتتغير خرائط ويُهجّر سكان وتُمحى قرى، نجد جزءاً كبيراً من المعركة الإعلامية منصباً على قضايا تُقدَّم باعتبارها العنوان الوحيد للأحداث.
ومن بين الأمثلة على ذلك، التركيز المستمر على ملف مضيق هرمز، ومحاولة تثبيت روايات سياسية واقتصادية محددة حوله، فيما تمر أحداث أخرى قد تكون ذات أثر طويل المدى على الجغرافيا والشعوب والموارد مروراً سريعاً، إن لم تُدفن بالكامل تحت زحمة الأخبار.
وهنا لا يصبح السؤال: لماذا يتحدث الإعلام عن هذا؟
بل: لماذا لا يتحدث بالقدر نفسه عن ذاك؟
من الذي يحدد أولويات الرأي العام؟
من الذي يقرر أن حدثاً معيناً يستحق البث المتواصل، فيما حدث آخر يُختصر في خبر عابر؟
ومن المستفيد من أن يبقى الناس منشغلين بالنتائج الظاهرة، من دون البحث في المسارات التي أوصلت إليها؟
فالإعلام لا يصنع الواقع دائماً، لكنه يستطيع أن يصنع الطريقة التي نراه بها.
وما لا يُعرض كثيراً، قد لا يراه الناس.
وما لا يراه الناس، قد لا يسألون عنه.
وهكذا يمكن لخطة أن تعمل بصمت.
مثل خلية سرطانية.
لا تدخل الجسد معلنة عن نفسها.
لا تصرخ.
لا ترفع علماً.
تتسلل بهدوء.
تتمركز.
تنتشر.
ثم، عندما يكتشف الإنسان حجم ما حدث، يكون جزء كبير من الضرر قد وقع بالفعل.
وهذه المرة، قد لا يكون الجسد المقصود دولة واحدة.
ولا شعباً واحداً.
ولا حتى منطقة واحدة.
صحيح أن الدول العربية ودول غرب آسيا تشكل قلباً أساسياً في هذا الجسد، نظراً إلى موقعها الجغرافي وثرواتها وطرق التجارة والممرات البحرية وموقعها السياسي، لكن ماذا لو كان المشهد أكبر؟
ماذا لو كانت إعادة تشكيل العالم لا تستهدف حدود دولة بعينها، بل تستهدف كل مجتمع وكل شعب وكل إنسان يستطيع أن يقف في وجه منظومة الهيمنة؟
وهنا نصل إلى السؤال الذي يثير حساسية لدى كثيرين:
هل ما يحدث كله طبيعي بالفعل؟
لا أحد يملك الحق في أن يمنع الإنسان من السؤال.
ولا أحد يستطيع أن يطلب منا في عصر العلم والتكنولوجيا أن نقبل كل تفسير جاهز من دون تحقيق.
خصوصاً أننا نعيش في زمن تطورت فيه قدرات الإنسان العلمية إلى مستويات كانت تُعتبر قبل عقود ضرباً من الخيال.
نحن نعيش في عصر الذكاء الاصطناعي.
عصر الأقمار الصناعية.
عصر تحليل البيانات.
عصر التكنولوجيا العسكرية المتقدمة.
عصر الحرب الإلكترونية.
عصر تستطيع فيه المعرفة أن تصبح سلاحاً، والمعلومة أن تصبح وسيلة سيطرة، والتكنولوجيا أن تصبح أداة سياسية واقتصادية وعسكرية.
فما الذي يمنع الإنسان من التساؤل؟
ما الذي يمنعنا من الشك في أن بعض الكوارث قد تكون بشرية وليست طبيعية؟
ما الذي يمنعنا من المطالبة بالتحقيق في الأسباب الحقيقية قبل أن يُغلق الملف بعنوان جاهز؟
والأهم: لماذا يُطلب من الناس أحياناً أن يثقوا ثقة عمياء بكل ما يُقدَّم لهم، رغم أن التاريخ نفسه يخبرنا أن كثيراً من التقنيات لم تصل إلى الاستخدام العام إلا بعد سنوات طويلة من التطوير داخل مؤسسات بحثية أو عسكرية أو حكومية؟
فالإنترنت نفسه بدأ في بيئات مرتبطة بمشاريع حكومية وعسكرية قبل أن يتحول إلى شبكة مدنية عالمية.
وتاريخ البحث في محركات المعلومات يسبق بسنوات طويلة الشكل الذي نعرفه اليوم لمحركات البحث الحديثة.
كما أن مؤسسات استخباراتية وعسكرية حول العالم اعترفت، في مناسبات مختلفة، بأن بعض التقنيات التي طورتها ضمن برامجها السرية أو المتقدمة وصلت لاحقاً إلى الاستخدام المدني.
فلماذا يبدو السؤال عن الفارق بين ما تملكه المؤسسات المغلقة وما يصل إلى عامة الناس سؤالاً ممنوعاً؟
هل كل ما يصل إلى العالم هو أحدث ما وصل إليه العلم فعلاً؟
أم أن ما نراه أحياناً ليس سوى المرحلة التي أصبح الإفراج عنها ممكناً؟
لا أقول إن كل اختراع جديد كان مخفياً لعقود.
ولا أقول إن كل كارثة طبيعية مفتعلة.
لكنني أرفض أن يصبح السؤال نفسه جريمة.
فالفرق كبير بين إنسان يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، وإنسان يرى أحداثاً متكررة فيسأل: هل نعرف حقاً كل ما يجب أن نعرفه؟
وفي خضم كل ذلك، هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها.
أن مشاريع السيطرة لا تحب من يعطلها.
ولا تحب الشعوب التي ترفض أن تتحول إلى أرقام.
ولا تحب القوى التي تقف في وجه فرض الأمر الواقع.
ولهذا، فإن قوى المقاومة والدول الداعمة لها وأصوات الأحرار التي ترفض الصمت ليست مجرد أطراف في صراع عسكري أو سياسي.
إنها، بالنسبة إلى مشاريع الهيمنة، عوائق.
عقد.
مراكز إرباك.
قوى تمنع تنفيذ المخطط كما يُراد له أن ينفذ.
وهذا ما يفسر حجم الحرب السياسية والإعلامية والاقتصادية والنفسية التي تُشن على كل من يرفع صوته خارج السرب.
المقاومة لا تربك فقط قوة عسكرية.
المقاومة تربك الحسابات.
تؤخر المشاريع.
تغيّر النتائج.
وتجعل ما كان من المفترض أن يمر بهدوء معركة مكشوفة.
أما الحناجر الحرة، فهي أخطر مما يتصور البعض.
لأن الخطة مهما كانت دقيقة تحتاج إلى جمهور لا يسأل.
تحتاج إلى شعوب تستهلك الخبر ثم تنتقل إلى الخبر التالي.
تحتاج إلى ذاكرة قصيرة.
وإلى إعلام يحدد للناس ما يغضبون لأجله وما يتجاهلونه.
لكن ماذا يحدث عندما يبدأ الناس في الربط؟
عندما يسألون عن النار؟
وعن الأرض؟
وعن النزوح؟
وعن التهجير؟
وعن الخرائط التي تتغير؟
وعن التكنولوجيا التي نعرف منها القليل مقارنة بما يجري تطويره في المؤسسات المغلقة؟
ماذا يحدث عندما يصبح الإنسان قادراً على قراءة التفاصيل بدلاً من الاكتفاء بالصورة الكبيرة؟
عندها يصبح من الصعب تمرير كل شيء باعتباره مجرد صدفة.
قد يقولون إن الحرائق مجرد حرائق.
وإن التهجير مجرد نتيجة للحروب.
وإن تدمير القرى مجرد عملية عسكرية.
وإن الاستيطان مجرد سياسة منفصلة.
وإن التكنولوجيا مجرد تطور طبيعي.
وإن الإعلام لا يفعل سوى نقل الأخبار.
وإن كل ما نراه لا علاقة له ببعضه البعض.
ربما.
لكن التاريخ لم يتغير يوماً لأن الناس اكتفوا بكلمة «ربما».
التاريخ يتغير عندما يبدأ أحدهم بالسؤال.
لأن تكرار السياسات في أكثر من منطقة وبلد لا ينبغي أن يُقرأ دائماً كأحداث منفصلة.
أحياناً، تشبه الأحداث خيوطاً متناثرة.
وفي البداية، يبدو كل خيط منفصلاً عن الآخر.
ثم يبدأ النمط بالظهور.
ويبدأ الثوب بالتشكل.
وثمة من يحوك بعض الأثواب بخباثة دقيقة، غرزة بعد غرزة، وسياسة بعد سياسة، وحريقاً بعد حريق، وتهجيراً بعد تهجير، حتى يصبح الواقع الجديد أمراً مفروضاً.
وعندها، يأتي من يسألنا:
أين الدليل على أن هذا لم يكن صدفة؟
والسؤال الأهم ربما هو:
وأين الدليل على أن كل ما يحدث مجرد صدفة؟
ليس المطلوب أن نمتلك جميع الإجابات.
بل ألا يسمح لنا أحد بأن نفقد حقنا في طرح الأسئلة.
فالحقيقة لا تخاف التحقيق.
والحدث الحقيقي لا يخاف التدقيق.
والإنسان الحر لا يجب أن يخاف من النظر إلى الصورة كاملة.
ربما تكون أخطر المعارك اليوم ليست تلك التي نراها.
بل تلك التي تجري أمام أعيننا، بينما نحن مشغولون بالنظر في الاتجاه الذي اختاره لنا الآخرون.
فانتبهوا للخيوط…
لأن الثوب، عندما يكتمل، قد يكون قد فُرض علينا قبل أن ندرك حتى أنه كان يُحاك.
