في مشهد يحمل أبعاداً استراتيجية، انطلقت في العاصمة القرغيزية بشكيك، الاثنين، أعمال القمة السادسة والعشرين لمنظمة شنغهاي للتعاون، في توقيت دقيق تتصاعد فيه حملة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاقتصادية على إيران، لتضع هذه القمة تماسك تكتل يضم عشر دول أمام اختبار حقيقي لقدرته على تحويل التضامن السياسي إلى آليات عملية تخفف وطأة العقوبات على عضو بارز فيه وتتصدى لمحاولة الهيمنة الغربية.

تأتي القمة التي تحتضنها قرغيزيا بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيس المنظمة، وتجمع قادة كل من الصين وروسيا والهند وإيران وباكستان وبيلاروس ودول آسيا الوسطى، في لحظة دولية بالغة الحساسية، إذ تتزامن مع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران والحرب الروسية في أوكرانيا، فضلاً عن تشديد واشنطن الخناق الاقتصادي على طهران من خلال حزمة عقوبات ثانوية وصفتها بـ”النبذ الاقتصادي” .

شكلت القمة منصة دبلوماسية لإيران لتوجيه رسائل مباشرة إلى الشركاء الرئيسيين في لحظة ضغط قصوى. فقد أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، في كلمته، أن “الأمن يبنى بالثقة لا المواجهة”، منتقداً “جشع الولايات المتحدة ونقضها للاتفاقيات”، ومشدداً على ضرورة معالجة الأبعاد الأمنية والاقتصادية في آن واحد لضمان تعددية أطراف فاعلة .

ولم يقتصر الدعم على الجانب الخطابي، إذ تضمن البيان الختامي للقمة تأكيداً صريحاً على دعم “سيادة إيران ووحدة أراضيها”، ودعوة إلى تحقيق تسوية دبلوماسية، مع رفض الإجراءات القسرية والعقوبات الأحادية التي تعتبرها المنظمة مخالفة للقانون الدولي .

المبادرات الاقتصادية الإيرانية: بنك وتأمين وائتلاف طاقة

في خطوة تعكس سعي طهران لتحويل عضويتها في المنظمة إلى أدوات عملية لمواجهة الحصار، طرح بزشكيان ثلاث مبادرات اقتصادية رئيسية خلال القمة :

· تعميق التعاون المالي والمصرفي عبر تأسيس “بنك منظمة شنغهاي”، على أن تقوم هيكلة رأسماله على العملات الوطنية للدول الأعضاء، مع أنظمة مستقلة للتسويات المالية والتجارية، في مسعى واضح لتجاوز هيمنة الدولار الذي أصبح أداة ضغط على طهران .
· إنشاء اتحاد لتأمين الصادرات والاستثمار لدعم التجارة بين الدول الأعضاء وتقليل المخاطر على المستثمرين .
· تشكيل “ائتلاف طاقة منظمة شنغهاي” لتعزيز التعاون في مجالات إنتاج الطاقة ونقلها واستهلاكها، بما يستثمر الإمكانات الهائلة للدول الأعضاء في هذا المجال .

تشكل هذه المبادرات رداً جماعياً على استراتيجية “العزل الاقتصادي” الأميركية، لكن فعاليتها تظل مرهونة بقدرة المنظمة على تجاوز العقبات الداخلية. فالمبادرات الثلاث تستهدف بناء نظام مالي بديل، وتأمين التجارة، وضمان أمن الطاقة، وهي بمثابة خطوات نظرية يمكن أن تقوض فعالية العقوبات الأميركية عبر توفير قنوات تجارية ومالية لا تمر عبر النظام المالي الغربي .

وفي هذا السياق، أعلن الرئيس بزشكيان استعداد إيران لتقديم النفط الخام اللازم لمصفاة مقترحة في قرغيزيا، كما ناقش مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي توسيع التعاون التجاري وتعزيز دور ميناء تشابهار، وذلك رغم إعلان واشنطن فرض عقوبات على شركات هندية لتورطها في استيراد منتجات بتروكيماوية إيرانية .

في المشهد الأوسع، تشكل قمة شنغهاي منصة مهمة لإيران لكسب دعم سياسي وطرح بدائل اقتصادية لمواجهة العقوبات، لكن التحدي الحقيقي يبقى في قدرة المنظمة على تجاوز خلافاتها الداخلية وتحويل هذه الطروحات إلى واقع ملموس. ومع إعلان وزير الخزانة الأميركي عن استعداد واشنطن لفرض عقوبات على أي مؤسسة مالية تتعامل مع إيران، تبقى فعالية هذه الخطوات مرهونة بحجم التزام دول المنظمة بتطبيق آليات التعاون المالي والطاقي المطروحة، في معادلة معقدة بين الرغبة في التحرر من الهيمنة الغربية وحسابات المصالح الوطنية لكل عضو .