بين الأمس واليوم كيف تصنع الإرادة ما تعجز عنه القوة؟
بقلم الكاتبة/عفاف فيصل صالح
هناك لحظات في تاريخ الأمم لا تُقاس بالأيام والسنوات، بل تُقاس بحجم التحولات التي تصنعها، وبالمسافة الهائلة التي تنتقل فيها الشعوب من مرحلة إلى أخرى. فالتاريخ لا يبقى جامداً، وموازين القوة لا تبقى ثابتة فقد يأتي يومٌ تنقلب فيه المعادلات، وتتبدل فيه صور المشهد ليقف الإنسان متأملاً أمام عظمة التحول وسرعة تبدل الأحوال.
إنها مفارقة تستحق الوقوف عندها طويلاً فقبل أعوام قليلة كان المشهد مختلفاً تماماً، كانت الغارات تتوالى بكثافة، وكانت الضربات تأتي من الجو بأعداد كبيرة، وكان الرد محدوداً بإمكانات متواضعة، ومع ذلك كان مجرد وصول صاروخ أو طائرة مسيرة إلى هدف بعيد يمثل حدثاً استثنائياً، تُعلّق عليه الآمال وتُرسم حوله مشاعر الفخر والاعتزاز.
كان الإنجاز حينها يُقاس بقدرة الإنسان على كسر حاجز المستحيل، وبإثبات أن الإرادة تستطيع أن تواجه التفوق المادي، وأن الشعوب حين تمتلك الايمان والعزيمة والصبر تستطيع أن تفتح لنفسها طريقاً وسط أصعب الظروف.
أما اليوم، فإن المتأمل في المشهد يرى صورة مختلفة تماماً صورة تحمل معها دلالات عميقة على حجم التغير الذي حدث، وعلى أن ما كان يُعدّ بالأمس بعيد المنال أصبح واقعاً ملموساً. لقد تغيرت قواعد المواجهة، وتبدلت المعادلات، وأصبح الطرف الذي كان يتلقى الضربات ويبحث عن وسائل الرد، يمتلك حضوراً وقدرة على التأثير لم تكن متوقعة في بداية الطريق.
أعظم ما في هذه التحولات ليس فقط ما يظهر في الأرقام أو الأحداث، بل ما يكشفه من حقيقة تاريخية راسخة أن الأمم لا تُبنى فقط بما تملك من أدوات، وإنما بما تملك من صبر وإيمان وثبات وإرادة. فكم من قوة امتلكت أحدث الأسلحة لكنها عجزت أمام إرادة الشعوب المؤمنة بالله ، وكم من أمة حوصرت وضُيّقت عليها السبل لكنها صنعت من المحن جسوراً نحو القوة.
التاريخ مليء بالمفارقات فكم من مستضعف أصبح رقماً صعباً، وكم من طرف ظن أنه يملك زمام المبادرة اكتشف أن الزمن يحمل له مفاجآت لم تكن في حساباته. فالأيام دول، والواقع متغير، ومن يقرأ حركة التاريخ يدرك أن الثبات على المبادئ والصبر في المراحل الصعبة قد يكونان الطريق إلى تحولات كبرى.
ومع ذلك، فإن أعظم نعمة قد يغفل عنها الإنسان هي نعمة إدراك حجم اللحظة التي يعيشها؛ فبعض الأمم تصنع الأحداث العظيمة ثم تمر عليها دون أن تدرك عظمتها. وقد يراها الآخرون من بعيد أكثر وضوحاً ممن يعيشون تفاصيلها يوماً بيوم.
الملاحم الكبرى لا تُكتب فقط في ساحات المواجهة، بل تُكتب أيضاً في صمود الشعوب، وفي قدرتها على تحويل الألم إلى طاقة، والحصار إلى دافع، والتحديات إلى فرص لإثبات الذات.
الوقوف أمام هذه التحولات يدعو إلى التأمل والحمد لله على ما تحقق، وإلى استشعار مسؤولية الحفاظ على القيم التي صنعت هذا الصمود، فالقوة الحقيقية ليست في لحظة انتصار عابرة، بل في القدرة على الثبات، وفي الحكمة التي تصاحب القوة، وفي السعي الدائم نحو السلام والعدل ورفع الظلم.
فسبحان من يغير الأحوال، ومن يجعل بعد العسر يسراً، وبعد الضعف قوة، وبعد الصبر ثمرة. ويبقى الدرس الأهم من كل التحولات أن إرادة الإنسان حين تقترن بالإيمان والعمل والصبر قادرة على صناعة صفحات جديدة في كتاب التاريخ.
نسأل الله أن يثبت القلوب على الخير، وأن يكتب للأمم طريق الأمن والكرامة، وأن يجعل القادم أفضل وأقرب إلى الفرج والطمأنينة والنصر .
