شتعل الأحداث في مدينة سبتة، ويتساءل الشارع السياسي العالمي عن سر هذا الانفجار الدبلوماسي والميداني المفاجئ، وعن حقيقة الأيدي الخفية التي تدير قواعد اللعبة خلف الكواليس.
الحقيقة المتكاملة تتعدى كونها مجرد أزمة حدودية أو تدفقات هجرة عفوية؛ بل هي معركة انتقام جيوسياسي تقودها واشنطن بالتحالف الوثيق مع تل أبيب لإخضاع أو إسقاط حكومة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز—أحد أبرز القادة التقدميين في أوروبا الذين تجرؤوا على إعلان العصيان السياسي ضد الأجندة الأمريكية والإسرائيلية.
بالرغم من موقفنا المبدئي والثابت تجاه أحقية المغرب التاريخية والجغرافية بأراضيه في سبتة ومليلية، ودعمنا لضرورة إنهاء هذا الملف الاستعماري عبر الحوار بين الجارين، لكن السياق الراهن للانفجار المفاجئ للأزمة يشي بوجود توظيف انتهازي خبيث لهذه المطالب العادلة. إن تحريك ملف السيادة في هذا التوقيت بالذات، وبالأدوات الخشنة المرصودة ميدانياً ودبلوماسياً، لا يبدو كجهد مغربي خالص لاستعادة الأرض، بقدر ما هو استغلال أمريكي-إسرائيلي مكشوف لورقة الضغط الديموغرافية والجغرافية لتحقيق غايات أبعد؛ لعل أبرزها كسر شوكة حكومة سانشيز وتركيعها عقاباً على مواقفها السيادية.
​1. الوثيقة الأمريكية: نزع الشرعية عن السيادة الإسبانية
تتجلى الدلائل القاطعة في الوثائق الرسمية الصادرة في نيسان (April) الماضي عن لجنة الاعتمادات بمجلس النواب الأمريكي (صفحة 88)، والتي تكشف عن تحول خطير وغير مسبوق في الموقف الأمريكي تجاه مدينتي سبتة ومليلية:
​نص الوثيقة الأمريكية الرسمية:
“تلاحظ اللجنة أن مدينتي سبتة ومليلية اللتين تديرهما إسبانيا تقعان في أراضي مغربية وتبقى موضوع مطالبة تاريخية للمغرب. وتدعم اللجنة جهود وزير الخارجية لتشجيع الانخراط الدبلوماسي بين المغرب وإسبانيا حول الوضع المستقبلي لسبتة ومليلية…”
​إعادة تعريف القانون الدولي: واشنطن لا تكتفي بتمويل المغرب بـ 40 مليون دولار (عبر برامج الاستثمار والأمن العسكري)، بل تعيد رسم الخارطة الدبلوماسية عبر توصيف سبتة ومليلية بـ “مدن تحت الإدارة الإسبانية تقع في أراضٍ مغربية”، وتطالب بمفاوضات رسمية حول “وضعهما المستقبلي”.
​الضغط السياسي المباشر: يمثل هذا التبني التشريعي في الكونغرس سابقة تهدف إلى تحويل ملف السيادة الإسبانية على المدينتين إلى “ملف مفتوح للنقاش”، لاستخدامه كأداة ابتزاز دبلوماسي ضاغطة ومباشرة على مدريد.
​2. شهادات مصورة: حافلات العسكر وهندسة التدفق الميداني
​لم تكن المشاهد الميدانية على حدود سبتة نتاج حركة عفوية، بل كانت عملية مجندة وممنهجة وثقتها الشهادات الحية والمقابلات المصورة مع المهاجرين المغاربة أنفسهم:
​النقل المنظم عبر آليات الجيش: كشف عدد من المهاجرين في تصريحات ومقاطع فيديو تم تداولها علناً أن العسكر والسلطات المغربية هم من قاموا بتجميعهم ونقلهم مباشرة عبر حافلات تابعة للجيش والقوات الأمنية إلى النقاط الحدودية المحاذية لسبتة، مع فتح المعابر أمامهم للعبور الجماعي.
​صناعة أزمة ديموغرافية ضاغطة: تبيّن هذه الشهادات أن الهجرة تم استخدامها كأداة ضغط سياسي وميداني مُهندسة، بهدف خرق الحدود الإسبانية وإغراق حكومة سانشيز في أزمة أمنية وإنسانية حادة تُضعف موقفها السياسي وتُظهره بمظهر العاجز أمام الرأي العام الإسباني والأوروبي.
​3. الموقف الإسرائيلي المعلن: سلاح “التجنيس” لتفكيك الداخل الإسباني
​في خطوة تتكامل مع هذا الضغط الميداني والدبلوماسي، برز الموقف الإسرائيلي المعلن الداعي لإرغام إسبانيا على تجنيس المغاربة الذين دخلوا مدينة سبتة:
​الهندسة الديموغرافية والضغط الاجتماعي: تسعى تل أبيب عبر هذه الدعوات الصريحة إلى إحداث صدمة ديموغرافية واجتماعية داخل الأراضي الإسبانية، بهدف إشعال الغضب الشعبي وتجييش الشارع ضد حكومة سانشيز التقدمية.
​استغلال أزمات اللجوء كخنجر سياسي: بدلاً من دعم الاستقرار الدبلوماسي، تحاول إسرائيل تحويل ملف المهاجرين إلى أداة عقاب لمدريد، محاولة تفكيك النسيج الاجتماعي والسياسي الداخلي لإسبانيا رداً على مواقفها المبدئية.
​4. التناقض الأخلاقي الفاضح: احتلال الأراضي ومزايدة الجغرافيا
​تتجلى في هذه الأزمة أبشع صور الازدواجية والوقاحة السياسية لدى التحالف الأمريكي-الصهيوني عند المقارنة بين خطابهم في أوروبا وواقعهم الميداني في الشرق الأوسط:
​ففي الوقت الذي يدّعي فيه هذا التحالف الحرص على “استعادة الأراضي” في سبتة ومليلية لابتزاز إسبانيا والضغط عليها، يمارس التحالف بنفسه أبشع أنواع الاحتلال العسكري الاستيطاني والتطهير العرقي في التاريخ الحديث.

إن الكيان الذي يحتل كامل فلسطين، والجولان السوري، ومناطق في جنوب لبنان، ويمارس سياسات الإبادة الجماعية والتهجير القسري بحق الشعب الفلسطيني الأعزل، لا يملك أي ذرة من الأهليّة الأخلاقية للتنظير حول حقوق الشعوب والسيادة الترابية. إنها مجرد ذرائع جيوسياسية تُستدعى وتُوظّف بحسب هوية الخصوم.
​5. لماذا يكرهون بيدرو سانشيز ويصرون على تدميره؟
​تتقاطع الرغبة الأمريكية والإسرائيلية في ضرورة تصفية حكومة بيدرو سانشيز سياسياً، نظراً لوقوفه عقبة كأداء أمام مشاريعهما في المنطقة والعالم. ويمكن تلخيص دوافع هذا الاستهداف في النقاط التالية:
​التحدي المباشر لترامب والإدارة الأمريكية: رفض سانشيز الانصياع للإملاءات والضغوط الأمريكية المتكررة، وظل متمسكاً بقرار سيادي حُر يحمي المصالح الأوروبية والإسبانية المستقلة دون تبعية لأجندة واشنطن.
​فضح الجرائم الإسرائيلية في غزة: كان سانشيز الصوت الأكثر ارتفاعاً وجرأة في أوروبا لإدانة الفظائع والجرائم التي يرتكبها نيتنياهو بحق الفلسطينيين، متوجاً ذلك باعتراف إسبانيا الرسمي بالدولة الفلسطينية وفرض قيود على تصدير السلاح للكيان.
​الرفض القاطع للحرب على إيران: رفضت حكومة سانشيز بصلابة كل الضغوط الممارسة لإقحام إسبانيا أو تقديم الدعم العسكري للمغامرات والحروب الكارثية التي تسعى واشنطن وتل أبيب لجر المنطقة إليها ضد إيران.
​النموذج التقدمي الملهم: يمثل سانشيز رأس حربة التيار التقدمي في أوروبا والعقبة الأيدولوجية الأبرز أمام مشروع اليمين المتطرف؛ لذا أصبحت الإطاحة به هدفاً استراتيجياً لمهندسي السياسات المحافظة في واشنطن وتل أبيب.
​6. سبتة كمعركة بين استقلالية القرار والهيمنة الدولية
​يظهر التباين الحاد والصريح بين المبدئية التي تمثلها إسبانيا تحت قيادة سانشيز، وبين الانتهازية السياسية التي يمارسها التحالف الأمريكي-الصهيوني:
​في ملف القضية الفلسطينية: تتبنى حكومة سانشيز موقفاً أخلاقياً حازماً يعتمد إدانة الجرائم والاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، بينما يطالب التحالف ببصم مجاني ومطلق للعدوان الإسرائيلي.
​في ملف الصراعات الإقليمية: ترفض مدريد منطق الحروب بالوكالة أو المشاركة في أي تصعيد ضد إيران، في حين يسعى التحالف لحشد الدعم الدولي لتغطية مغامراته العسكرية.
​في ملف سبتة والسيادة: تتمسك إسبانيا بكون سبتة ومليلية جزءاً لا يتجزأ من أراضيها وسيادتها الوطنية والأوروبية، بينما تتعامل واشنطن وتل أبيب مع الملف كأداة ابتزاز قابلة للتفاوض والمناورة بهدف كسر الحكومة الإسبانية.
​في طبيعة العلاقة مع واشنطن: تصر مدريد على الاستقلالية والتوازن التقدمي، بينما يُراد لها أن تكون مجرد أداة تنفذ الأوامر دون اعتراض.
​الخلاصة
​إن ما تشهده سبتة ليس مجرد نزاع محلي؛ بل هو انتقام سياسي واقتصادي ودبلوماسي مكتمل الأركان تقوده واشنطن وتل أبيب ضد رئيس وزراء تجرأ على قول “لا” للهيمنة الأمريكية، وفضح الفظائع الصهيونية في غزة، ورفض الانصياع لحروب الشرق الأوسط الكارثية.
تثبت هذه الأزمة—بدءاً من شهادات الحافلات العسكرية الميدانية وصولاً إلى نص الوثائق الرسمية في الكونغرس—أن الشعارات والأقنعة الأخلاقية التي يرفعها التحالف الأمريكي-الصهيوني تُسقط وتُستبدل بحسب المصالح، وأن الهدف الحقيقي من تحريك أزمة سبتة هو كسر إرادة الشعوب والقادة التقدميين الأحرار الذين يرفضون التبعية والتركيع.
د. نبيلة عفيف غصن