نقاش ساخن بين جون كينيدي والبرميل

ناصر قنديل

– ليس السيناتور الجمهوري جون كينيدي خصماً لدونالد ترامب، ولا عضواً في الجناح المتردّد في مساندته. يمثّل لويزيانا في مجلس الشيوخ منذ عام 2017، وسبق أن تولّى أمانة خزانة الولاية. اشتهر بلهجته الجنوبية وعباراته الساخرة، وبقدرته على تحويل المواقف المعقدة إلى أمثال شعبية لاذعة. وهو من مؤيدي الحرب على إيران والمدافعين عن خيارات ترامب، ولذلك اكتسب تحذيره الأخير أهمية مضاعفة، حيث قال كينيدي إن الخيارات المتاحة أمام ترامب «كلها جهنميّة»، لكنه أضاف، «في الوقت الراهن، سأُبقي الوضع القائم». وحذّر من أن توسيع الحرب سيرفع أسعار الطاقة ويتسبّب بـ «الكثير من التضخم للأميركيين»، واقترح تشديد العقوبات، ومواصلة الضغط، وحصر أي استهداف جديد بالبرنامج النووي.

– تجاهل كينيدي ما سيحدث في الخيارات التي اقترحها مع أسواق النفط وسعر البرميل، الذي يسأل كينيدي، ما هو «الوضع القائم»؟ أليس اسماً آخر لحرب الاستنزاف؟ فتشديد العقوبات استنزاف اقتصادي، والحصار استنزاف بحري، والضربات المحدودة استنزاف عسكري، والتفاوض تحت النار استنزاف سياسي. وإذا استُبعدت الحرب الكبرى بسبب كلفتها وعدم اليقين بنتائجها، ولم تعد واشنطن إلى مذكرة التفاهم، فإن جميع البدائل التي يعرضها كينيدي تبقى حرب استنزاف تتصاعد وتهدأ. ويسأل البرميل: من يفتح هرمز، ومن يتحمل بقاءه مغلقاً؟

– قال ترامب إن البحرية الأميركية تسيطر على المضيق، لكن حركة السفن تكذّب معنى السيطرة الذي يقصده. قبل الحرب كان هرمز يشهد أكثر من مئة عبور يومياً. أما الجمعة فعبرت 19 سفينة سلعية، وهبط العدد إلى عشر السبت وتسع فقط الأحد. وخلال الأسبوع أمكن تثبيت عبور ست ناقلات بالاسم على الأقل، بينها أربع ناقلات نفط عملاقة إضافة إلى ناقلتي غاز، وهذه نسبتها 1.4% من العبور التقليديّ قبل الحرب، حيث لا تستطيع السفن الحربية إجبار شركات الملاحة والتأمين على المخاطرة. ويحتاج فتح المضيق إلى ضمانات تقبل بها إيران وعُمان، وإلى تسوية تحدد سلطة إدارة الممر. ولذلك لا يحل إعلان ترامب عن «السيطرة الكاملة» محل الاتفاق السياسي.

– عندما يرد كينيدي: نستطيع مواصلة الضربات والضغط. يقاطعه مخزن الذخائر، من أين تأتي بالصواريخ؟ وقد كشفت «وول ستريت جورنال»، نقلاً عن مسؤولين أميركيين، أن واشنطن أطلقت منذ بدء الحرب أكثر من ألف صاروخ «توماهوك»، وأنفقت بين 1500 و2000 صاروخ دفاع جوي من أنواع «ثاد» و«باتريوت» و«ستاندرد». وقال المسؤولون إن تعويض المخزون المستهلك كاملاً قد يحتاج إلى ست سنوات، وإن النقص بدأ يفرض نقاشاً حول قدرة أميركا على تنفيذ خطط الدفاع عن تايوان إذا اندلعت أزمة مع الصين، ووفق تقدير نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في 27 تموز، هبط مخزون «باتريوت» إلى أقل من ألف صاروخ، ومخزون «ثاد» إلى نحو 250. وأعلنت وزارة الدفاع عقداً يتجاوز ثلاثة مليارات دولار لزيادة إنتاج مكونات «باتريوت» ثلاثة أضعاف و«ثاد» أربعة أضعاف. لكن زيادة الطاقة الإنتاجية ليست صواريخ جاهزة في المخازن، ولا تعالج فجوة اليوم بل بعد سنوات.

– ثم يتدخل الاحتياطي النفطي: وكيف تعيد تكويني؟ وقد بلغ الاحتياطي النفطي الاستراتيجي 311.4 مليون برميل، وهو أدنى مستوى منذ عام 1983، بعدما سحبت الإدارة أكثر من 104 ملايين برميل منذ بدء الحرب. يستطيع ترامب استخدام الاحتياطي لتهدئة الأسعار، لكنه إذا اشترى النفط لإعادة ملئه رفع الطلب والأسعار، وإذا واصل السحب قلّص قدرة أميركا على مواجهة الصدمة التالية.

– وتدخل البورصة إلى النقاش بأرقامها. في 29 تموز، عندما ارتفع النفط 7.3% إلى 88.09 دولاراً، خسر مؤشر «داو جونز» 1153 نقطة، أي 2.2%، وتراجع «ستاندرد أند بورز» 1.5% و«ناسداك» 1.7%، وعندما ألغى ترامب الضربة، هبط برنت 4.7% إلى 83.52 دولاراً، فارتفع «ستاندرد أند بورز» 1.5%، و«داوجونز» 1.3%، و«ناسداك» 2.1%. لم ترتفع الأسهم لأن الناقلات عادت إلى هرمز، بل لأن السوق اشترى احتمال عودتها. ويسأل البرميل كينيدي: ماذا يحدث إذا تيقّن السوق أن المضيق باقٍ مغلقاً؟ سيعود النفط إلى الصعود، وترتفع توقعات التضخم وعوائد السندات، وتتراجع فرص خفض الفائدة، وتبدأ موجة الهبوط. فمن يملك مورفين البورصة؟ ولا يستطيع الاحتياطي الفيدرالي خفض الفائدة بسهولة أمام صدمة تضخمية، ولا يستطيع ترامب استنزاف الاحتياطي النفطي بلا نهاية، ولا تستطيع المصانع تعويض الصواريخ بسرعة، ولا تفتح البحرية الأميركية المضيق بالقوة من دون إشعال حرب أكبر.

– لا توجد إذاً خمسة خيارات، بل ثلاثة: حرب شاملة، أو العودة إلى مذكرة التفاهم، أو استنزاف مفتوح. وما سمّاه كينيدي «الإبقاء على الوضع القائم» ليس حلاً، بل تأجيل للاختيار، بينما تعمل ثلاثة عدادات ضد واشنطن، صواريخ المخازن، وبراميل الاحتياطي، وساعة البورصة. ويختم البرميل الحوار: تستطيع تغيير أسماء حرب الاستنزاف، لكنك لا تستطيع تغيير سؤالها، من يفتح هرمز، ومن يتحمل بقاءه مغلقاً؟