د. طنوس شلهوب

في خضم حربٍ تعلنها “إسرائيل”، بدعم سياسي وعسكري من حلف الناتو، حرباً وجودية ضد قوى المقاومة وإيران، وفي وقت تنصب فيه آلة الحرب الصهيونية كل ثقلها على محاولة تصفية مشروع المقاومة عسكرياً وسياسياً، تتسرب فجأة تقارير “إسرائيلية” تزعم أن “أخطر رجل على “إسرائيل”” هو عزمي بشارة، عضو الكنيست السابق الذي غادر فلسطين بعد ترحيله القسري، وقدّم نفسه جزءاً من معسكر المقاومة، ليستقر في قطر ويتحول إلى محور شبكة واسعة من المؤسسات البحثية والإعلامية والثقافية الممولة قطرياً.

ومن خلال هذه الشبكة، برز مشروع فكري وسياسي واسع لاستقطاب نخب عربية، كثير منها ذات خلفيات قومية ويسارية، وإعادة دمجها في فضاء سياسي جديد يرتدي عباءة الحداثة، تحت عناوين الديمقراطية، والمواطنة، والمجتمع المدني، ومواجهة التخلف والاستبداد.السؤال ليس ما إذا كانت “إسرائيل” تعتبر عزمي بشارة خصماً أم لا، بل ما الوظيفة السياسية التي يؤديها هذا النوع من الخطاب في هذا التوقيت.

إن مقاربة ظاهرة عزمي بشارة لا ينبغي أن تختزل في شخصه ذماً او مدحاً. فالمسألة لا تتعلق فقط بباحث أسس مركزاً للدراسات وينتج أفكاراً، بل بموقع يؤدي وظيفة تاريخية محددة في مرحلة تتعرض فيها حركة التحرر الوطني العربية لهجوم شامل: عسكري وسياسي وفكري، وفي مرحلة يشتد فيها الصراع على المستوى الإيديولوجي.

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، لم تدخل الإمبريالية مرحلة أقل عدوانية، بل تحررت من أحد أهم القيود الدولية التي كانت تحد من اندفاعها نحو فرض هيمنتها العالمية. وقد تزامن ذلك مع تراجع حركة التحرر الوطني العربية، وانحسار المشروع القومي، ودخول معظم قوى اليسار العربي في أزمة عميقة.

إن تفسير هذه الأزمة لا يمكن اختزاله بانهيار الاتحاد السوفياتي وحده. فقد جاءت الهزيمة السياسية في لحظة كانت الرأسمالية العالمية تشهد تحولاً بنيوياً عميقاً مع صعود النيوليبرالية منذ ثمانينيات القرن الماضي، وما رافقها من سياسات فرضتها المؤسسات المالية الدولية عبر برامج التكيف الهيكلي، والخصخصة، وتحرير الأسواق، وتقليص دور الدولة في الاقتصاد.لم تكتفِ النيوليبرالية بتغيير السياسات الاقتصادية، بل أعادت تشكيل البنى الاجتماعية التي قامت عليها مشاريع اليسار تاريخياً.

فالطبقة العاملة لم تختفِ، لكنها تعرضت لعمليات تفكيك وإعادة تركيب: تراجع التصنيع في العديد من البلدان، توسع العمل الهش والمؤقت، إضعاف النقابات، تفتيت مواقع الإنتاج، وتحول قطاعات واسعة من العمال إلى قوة اجتماعية أقل تنظيماً وأكثر تعرضاً للضغط الاقتصادي.كما تراجعت الدولة الوطنية، التي كانت في بعض التجارب مجالاً للصراع حول التنمية والاستقلال الاقتصادي وبناء قاعدة إنتاجية مستقلة، لمصلحة منطق السوق المعولم والتمويل الدولي، ما أدى إلى إضعاف المجال الذي كانت تتحرك فيه مشاريع العدالة الاجتماعية والتحرر الاقتصادي.

وفي العالم العربي، ترافقت هذه التحولات مع تراجع المشاريع الوطنية التنموية، وتزايد التبعية الاقتصادية، وصعود اقتصاد الريع والمال السياسي، الأمر الذي أضعف القاعدة الاجتماعية التي استندت إليها قوى التحرر واليسار.لكن المشكلة لم تكن في التحولات الموضوعية وحدها، بل أيضاً في عجز اليسار عن إنتاج قراءة لهذه التحولات.

فقد وجد نفسه أمام أزمة مزدوجة: واحدة في فهم أشكال الرأسمالية الجديدة وآليات الهيمنة المتغيرة، والثانية في الحفاظ على صلته بقوى اجتماعية تغيرت بنيتها وشروط نضالها.لم تكتفِ الإمبريالية باستخدام القوة العسكرية لإسقاط الدول والقوى الرافضة للهيمنة، بل عملت أيضاً على تفكيك البنى الفكرية التي استندت إليها مشاريع التحرر طوال عقود.

فقد تزامنت الحروب والاحتلالات والتدخلات العسكرية، من يوغوسلافيا إلى العراق وأفغانستان وليبيا وسوريا، مع توسع كبير في الاستثمار بمجال إنتاج المعرفة: الجامعات، ومراكز الأبحاث، والإعلام المرئي والمسموع، والمنظمات غير الحكومية، والبرامج الثقافية، ومنصات التواصل الاجتماعي.لقد أثبتت التجربة أن إسقاط دولة أو تدمير بنية سياسية لا يكفي وحده لضمان استمرار الهيمنة، ما لم يُستكمل بإعادة إنتاج النخب والخطابات التي تمنح النظام الجديد شرعيته.

فالهيمنة لا تعني السيطرة على الأرض فقط، بل وامتلاك الأدوات المفاهيمية والمنهجية التي تفسر الواقع والتناقضات والصراع.وهنا تظهر أهمية مفهوم الهيمنة عند غرامشي: فالطبقة المسيطرة لا تحافظ على موقعها بالقوة وحدها، بل عبر قدرتها على جعل رؤيتها للعالم تبدو كأنها الرؤية الطبيعية والمحايدة، بحيث يصبح تعريف الواقع نفسه جزءاً من الصراع السياسي.

في هذا السياق برز المال الخليجي بوصفه أحد أدوات التحول الكبرى في المجال العربي. فلم يعد دوره مقتصراً على تمويل التدخلات العسكرية و التحالفات السياسية أو دعم موازين القوى الإقليمية، بل امتد إلى المجال الثقافي والفكري عبر تمويل مراكز الأبحاث، ووسائل الإعلام، والمنظمات غير الحكومية، والمشاريع الثقافية والفنية والإعلامية، واستقطاب مجموعات من الباحثين والإعلاميين والنخب الثقافية والفنية.

إن التمويل والمؤسسات التابعة تشكل بيئة تحدد، بدرجات مختلفة، طبيعة الأسئلة المطروحة، والأطر النظرية السائدة، وأولويات النقاش العام. ولقد أخذت هذه المؤسسات على عاتقها مهمة تطويع المجال الفكري التحرري، وإعادة تشكيله ضمن اطار يعتبر أن الليبرالية هي الأفق الطبيعي والوحيد للحداثة والإصلاح.

لقد استندت الاستراتيجية الإمبريالية على القدرة المالية للأنظمة الخليجية على ممارسة التأثير الإقليمي والثقافي: فالقوة العسكرية الاميركية و”الإسرائيلية” تفرض وقائع مادية على الأرض في البنية التحتية، بينما تعمل القوة الأيديولوجية والثقافية الممولة خليجياً على إعادة إنتاج هذه الوقائع في الوعي، في البنية الفوقية.

إن صعود الليبرالية العربية لم يكن مجرد نتيجة مباشرة لتوفر التمويل أو لامتلاك أدوات إعلامية أكثر تأثيراً، بل جاء أيضاً نتيجة فراغ تاريخي نشأ عن تراجع المشاريع الوطنية واليسارية، وعن التحولات العميقة التي أصابت البنى الاجتماعية والسياسية في العالم العربي.

ومن هنا لا يمكن فهم ظاهرة عزمي بشارة بمعزل عن هذا السياق. فهو ليس مجرد باحث أو أكاديمي، بل أحد أبرز منظري الليبرالية العربية الجديدة، أي ذلك التيار الذي لا يطرح مشروعاً لتحرير المنطقة من منظومة الهيمنة العالمية، بل يسعى إلى إعادة دمجها داخل هذه المنظومة عبر خطاب سياسي يركز على الديمقراطية، والحداثة، والمجتمع المدني، والإصلاح السياسي.

من حيث المبدأ لا يمكن رفض مفاهيم الديمقراطية أو حقوق الإنسان أو المواطنة في ذاتها. فهذه قضايا مشروعة وأساسية في أي مشروع تحرري حقيقي. إنما يتعلق النقد بالسؤال المنهجي: أين توضع هذه القضايا داخل سلم التناقضات التاريخية والسياسية؟ وما هو التناقض الذي يُنظر إليه باعتباره المحدد الرئيسي لحركة التاريخ والصراع؟

كل فلسفة سياسية تقوم على تحديد التناقض الرئيسي الذي يفسر حركة المجتمع والتاريخ، وعلى إعادة ترتيب بقية التناقضات في ضوئه. فليست كل التناقضات متساوية في فعلها التاريخي، لأن تحديد التناقض المركزي هو الذي يحدد طبيعة المهام السياسية، والتحالفات الاجتماعية، وأولويات النضال في كل مرحلة.صحيح أنه لا ينبغي تجاهل التناقضات الداخلية أو التقليل من أهمية الحريات والديمقراطية، ولكن يُفترض وضعها ضمن تحليل أشمل لعلاقات القوة الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية.

فالسؤال ليس وجود التناقضات، بل كيفية ترتيبها وفهم علاقتها ببعضها البعض.إن الخطاب الليبرالي العربي الذي تبلور خلال العقود الأخيرة، والذي يمثل عزمي بشارة أحد أبرز منظريه، أعاد ترتيب هذه الأولويات بصورة جذرية حين جعل الاستبداد التناقض المؤسس لكل أزمات المنطقة، بينما تراجع التناقض مع الإمبريالية والصهيونية إلى مرتبة ثانوية، أو جرى تقديمه باعتباره نتيجة لأزمات الداخل، لا باعتباره بنية تاريخية تعيد إنتاج هذه الأزمات وتحدد مسارها.

وهنا لا تكمن المسألة في إنكار وجود الاستبداد أو التقليل من مخاطره، بل في تحويله إلى المفتاح التفسيري الأول والنهائي لكل ظواهر المنطقة (مع الصمت المطبق تجاه انعدام الحريات السياسية في بلدان الخليج)، بحيث يصبح العامل الخارجي، بما فيه الإمبريالية والصهيونية، مجرد عامل مساعد أو ظرف ثانوي.

وهكذا، تتحول قضية التحرر الوطني من قضية مركزية مرتبطة ببنية الهيمنة العالمية إلى ملف من ملفات الإصلاح السياسي وحقوق الإنسان، وتُقاس المقاومة بمعايير ليبرالية أخلاقية مجردة (مثل الحسم بأن كل مقاومة دينية هي رجعية) أكثر مما تُفهم بوصفها فعلاً تاريخياً في مواجهة احتلال وهيمنة.

لقد نجحت هذه الليبرالية في تحقيق ما عجزت عنه الدعاية الإمبريالية المباشرة في الكثير من الأحيان: لم تعد تقول إن المشكلة الأساسية هي الهيمنة الخارجية وحدها، بل جعلت المشكلة الأولى والأخيرة هي طبيعة النظام السياسي الداخلي.

وبذلك يُعاد تفسير تاريخ المنطقة من زاوية مختلفة جذرياً. فالعراق لا يُقرأ باعتباره ضحية غزو واحتلال وتفكيك للدولة، بل باعتباره أزمة ديمقراطية. وليبيا لا تُقرأ باعتبارها نتيجة تدخل عسكري خارجي أدى إلى تدمير الدولة، بل باعتبارها فشلاً في بناء المؤسسات. وسوريا لا تُفهم ضمن صراع إقليمي ودولي معقد، بل تختزل في سؤال الإصلاح الداخلي.

وهكذا يحدث نوع من إزاحة التاريخ نفسه، حيث تُفصل الأحداث عن السياقات المادية التي أنتجتها، وتُختزل الصراعات الكبرى في مشكلات داخلية منفصلة عن شبكة المصالح والقوى الدولية.

إن قوة هذا الخطاب لا تكمن في إنكاره وجود الإمبريالية، بل في سحبها من موقعها المركزي داخل التحليل. فهو يعترف بها باعتبارها “عاملاً” من بين عوامل متعددة، لكنه يجعل العامل الحاسم دائماً هو البنية الداخلية، وخصوصاً في الدول التي تمتلك هامشاً من الاستقلال عن منظومة الهيمنة، وتعرضت لاحقاً للعدوان والإسقاط.

وهنا تظهر الوظيفة السياسية لهذا التحول: لا حديث عن الهيمنة الامبريالية، والاولوية لإنجاز “الإصلاح” الداخلي وفق النموذج الليبرالي.

ومن هنا نفهم طبيعة العلاقة بين هذه الليبرالية والأنظمة الخليجية التي تحتضن وتمول هذا النوع من الإنتاج الفكري. فالمفارقة ليست فقط أن خطاباً يرفع شعارات الديمقراطية يعمل داخل فضاء سياسي لا يعرف أبسط أشكال التعددية، بل أن هذا التناقض يكشف طبيعة الوظيفة التي تؤديها هذه المؤسسات.

فالمسألة تتلخص بإنتاج نخبة عربية تتحدث بلغة الديمقراطية والحداثة ضمن حدود لا تمس البنية الإقليمية القائمة والتابعة لمراكز الامبريالية، ولا تقارب مهام التحرر من هذه التبعية الاقتصادية والسياسية.

وعندما تعمل المؤسسات الثقافية والإعلامية الكبرى عبر التمويل والمنح وفرص النشر والظهور على استقطاب الباحثين والإعلاميين، فإنها لا تفرض عليهم بالضرورة مواقف جاهزة، لكنها تساهم في إعادة إنتاج إطار معرفي معين، يحدد ما هي القضايا المشروعة، وما هو الخطاب العقلاني، وما هي اولويات التغيير.

وهنا تكمن الهيمنة بالمعنى الغرامشي: أن تنتصر في تعريف الواقع قبل أن تنتصر في السياسة.أما مسألة تسريب بعض الأوساط “الإسرائيلية” أن عزمي بشارة هو من أخطر خصومها، فلا ينبغي التعامل معها بمنطق التصديق أو النفي المجرد، بل بتحليل الوظيفة السياسية لهذا الخطاب.

فحين يُقدَّم مثقف ليبرالي بوصفه “العدو الأخطر”، بينما تخوض قوى المقاومة مواجهة مباشرة مع المشروع الصهيوني، فإن هذا الخطاب يساهم موضوعياً في إعادة ترتيب صورة الصراع ورموزه.وهذا لا يعني بالضرورة أن هذا الخطاب “الإسرائيلي” صيغ بهدف خدمة بشارة أو مشروعه، بل يعني أن أي خطاب سياسي يجب أن يُقرأ أيضاً من خلال موقعه ووظيفته داخل الصراع.

إن الوظيفة التاريخية لليبرالية العربية الجديدة، في صيغتها التي يمثلها عزمي بشارة، لا تكمن في بناء مشروع للتحرر الوطني، بل في إعادة هندسة المجال الفكري العربي في مرحلة تراجع القوى الوطنية واليسارية، وهيمنة المال السياسي والمؤسسات العابرة للحدود على الفضاء الثقافي والإعلامي.إنها تسعى إلى جعل الليبرالية اللغة السياسية الأكثر شرعية، وتحويل التحرر الوطني إلى مجرد ملف من ملفات حقوق الإنسان، وتحويل المقاومة من أداة تاريخية لمواجهة الاحتلال والهيمنة إلى موضوع دائم للمساءلة الأخلاقية والسياسية.

ولعل أخطر ما في هذا المشروع أنه لا يطلب من العربي أن يتخلى عن فلسطين، بل أن يعيد تعريفها؛ ولا أن يرفض المقاومة، بل أن يعيد تقييمها ضمن معايير تفرغها من وظيفتها التاريخية.فالهيمنة لا تنتصر فقط عندما تغير مواقف الناس، بل عندما تغير اللغة التي يفكرون بها، والمفاهيم التي يستخدمونها لفهم العالم.وهنا تصبح المعركة الأساسية معركة على الوعي نفسه.