عندما يصبح الأقزام حراس العالم…!

فاتنة علي، لبنان/سورية الطبيعية

هناك سؤال واحد يكفي لفهم كثير مما يجري حولنا:

من يحكم العالم؟

لا أقصد أسماء الرؤساء والملوك، فهذه يعرفها الجميع، بل أقصد: كيف وصل هؤلاء إلى الحكم؟ ولماذا أصبح كثير من أصحاب القرار في العالم شخصيات لا تُعرف بحكمةٍ استثنائية، ولا بمشروعٍ حضاري، ولا بإرثٍ فكري، ومع ذلك يتحكمون بمصائر أمم كاملة؟

لعل المشكلة ليست في الأشخاص وحدهم، بل في المنظومة التي تختارهم، ثم تصنع لهم هالةً إعلامية تجعل الاعتراض عليهم يبدو خروجاً عن المنطق، بينما الحقيقة قد تكون عكس ذلك تماماً.


تأملوا المشهد…

رجل خرج من عالم المال والمراهنات والشعبوية، فإذا به يُقدَّم قائداً للدولة التي نصبت نفسها وصية على العالم.

ورجل آخر جاء من خلفية متواضعة، قبل أن يتحول، وسط حرب معقدة وتشابكات إقليمية ودولية، إلى واجهة لسلطة مدعومة غربياً تدّعي تمثيل اليمن، بينما يبقى اليمن، مهد الحضارات العربية، ساحةً مفتوحة لصراع المصالح.

وثالث لم يعرف شعبه منه سوى التنسيق مع من يحتل أرضه، حتى أصبح الموظف أكثر حضوراً من صاحب القضية.

ورابع يرفع شعارات الحرية والانفتاح، بينما يقود بلاده إلى انقسامٍ داخلي غير مسبوق، ويجعل الهوية نفسها محل نزاع.

وخامس لا يحمل بندقية، لكنه يرتدي بدلة فاخرة وربطة عنق أنيقة، ويوقّع على قرارات تُسفك بسببها دماء الآلاف، حتى بات الإرهاب حين يلبس الكرافة أكثر قبولاً لدى المجتمع الدولي من الإرهاب حين يحمل السلاح.

وسادس لا يملك من قراره إلا ما يُسمح له بامتلاكه.

وسابع يرفع راية الإسلام حين تخدمه، ويطويها حين تتعارض مع مصالحه.

وثامن باع تاريخ بلاده الحديث، وأدار ظهره لمرحلة صنعت أولى شرارات المقاومة في المنطقة.

وتاسع يجلس على عرشٍ يحتضن أقدس بقاع الأرض، بينما تتحول الأولويات من قضايا الأمة إلى صناعة الترفيه وتسويق صورة جديدة للمنطقة.

وعاشر وُلد عرشه من رحم ترتيبات سياسية حديثة، كان تثبيت الاحتلال أحد أهم أسبابها.

وهؤلاء ليسوا سوى نماذج…

ولو أردنا أن نُكمل، لاحتجنا إلى كتابٍ لا إلى مقال.


قد يقول قائل إن هذه مجرد مصادفات.

لكن التاريخ لا يؤمن بالمصادفات حين تتكرر بالكيفية نفسها.

فهل يُعقل أن تتراجع الكفاءات في كل مكان، بينما يصعد أصحاب الولاءات؟

هل أصبح العالم عاجزاً عن إنتاج رجال دولة حقيقيين؟

أم أن المطلوب أصلاً ليس القائد القوي، بل القائد الذي يمكن احتواؤه؟

المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي كتب يوماً:

«”الأزمة تتمثل في أن القديم يحتضر، والجديد لم يولد بعد، وفي هذا الفراغ تظهر أعراض مرضية كثيرة.”»

ولعل من أخطر هذه الأعراض أن تتحول القيادة إلى وظيفة، لا إلى رسالة.

أما المفكر مالك بن نبي فقد لخّص جانباً من المشكلة بقوله:

«”القابلية للاستعمار تسبق الاستعمار.”»

فالهيمنة لا تبدأ بالدبابة، بل تبدأ حين يُهزم الوعي.

ولهذا قال الإمام علي بن أبي طالب (ع):

«”لا ترى الجاهل إلا مُفرِطًا أو مُفَرِّطًا.”»

فالجاهل لا يعرف التوازن، ولا يميز بين الحق والباطل، ولذلك يسهل قياده حيث يشاء الآخرون.


ولأن الشعوب لا تُخدع بالقوة وحدها، كان لا بد من الإعلام.

فالإعلام لا يكتفي بنقل الأخبار، بل يصنع الأبطال، ويصنع الأعداء أيضاً.

قد يتحول الفاشل إلى قائد تاريخي.

وقد يصبح العميل رجل سلام.

وقد يُقدَّم المعتدي على أنه الضحية.

بينما يتحول صاحب الأرض إلى متهم.

ولذلك قال الفيلسوف الفرنسي جان بودريار إن الإعلام لا يعكس الواقع دائماً، بل يصنع واقعاً جديداً يراه الناس أكثر من الواقع الحقيقي.


إن أخطر ما أصاب أمتنا ليس نقص الموارد، ولا قلة الإمكانات، بل تشويه الوعي.

لقد أقنعونا أن القوة تعني الهيمنة، وأن الاستسلام يعني السلام، وأن من يدافع عن أرضه إرهابي، بينما من يحتلها يمارس حقه في الدفاع عن النفس.

ولهذا لا يكفي أن نقرأ التاريخ كما يُدرَّس، بل كما حدث.

فالمنتصر غالباً هو من كتب الرواية الأولى، لكنه ليس بالضرورة من كتب الحقيقة.


ما كتبته ليس خاضعاً للدبلوماسية، لأن الدبلوماسية كثيراً ما تجامل القوة، لكنه خاضع للأخلاق والإنسانية.

وعلى قاعدة “إذا عُرف السبب بطل العجب”، فلا تستغربوا الحال الذي وصلنا إليه.

ولا تستغربوا تراجع صوت الحق.

فهو لم يتراجع لأن الحق ضعف، بل لأن الجهل تمدد، والخوف انتشر، وكثيرين آثروا السلامة على الموقف.

وكما قال الإمام علي بن أبي طالب (ع):

«”الناس أعداء ما جهلوا.”»

وحين يصبح الجهل هو القائد الحقيقي، لا تعود المشكلة في الحكام وحدهم… بل في الأمة التي سمحت للجهل أن يحكمها قبل أن يحكمها أولئك.