من منح أمريكا مفاتيح هرمز؟

بقلم:فاتنة علي، لبنان/سورية الطبيعية

حين يقول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنه سيكون “حارساً” على مضيق هرمز، وإن الولايات المتحدة لن تسمح لإيران بالتفرد به، فهو لا يطلق تصريحاً عابراً، بل يختصر عقوداً من العقلية الاستعمارية التي ما زالت تتعامل مع منطقتنا وكأنها ملكية خاصة، تُدار بإرادة واشنطن وتُرسم حدودها وفق مصالحها.

لكن مهلاً… بأي حق؟

كيف يحق للولايات المتحدة، التي تفصلها عن الخليج آلاف الكيلومترات، أن تقدم نفسها وصيةً على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، بينما يُراد لإيران، وهي الدولة المطلة على المضيق وجزء أصيل من جغرافيته، أن تُجرد حتى من حقها الطبيعي في التأثير في محيطها؟

السؤال لا يتعلق بإيران وحدها، بل بمبدأٍ كامل. فمنذ متى أصبحت القوى القادمة من خلف المحيطات صاحبة الحق، وأصبحت شعوب المنطقة مطالبةً بالحصول على إذن لتتنفس داخل جغرافيتها؟

والأكثر إثارةً للاستغراب ليس التصريح الأمريكي بحد ذاته، بل حالة التطبيع الشعبي معه. أما الأنظمة، فقد تجاوزت منذ زمن طويل مرحلة الرهان عليها، لكن كيف يقبل بعض أبناء هذه الأمة أن تتحول الوصاية الأجنبية إلى أمر طبيعي، بينما يُصوَّر أي نفوذ إقليمي على أنه الخطر الأكبر؟

على الأرض، لا تبدو الأحداث منفصلة عن هذا الخطاب. فالضربات الأمريكية الأخيرة لم تقتصر على الأهداف العسكرية، بل طالت أيضاً بنى تحتية ذات أهمية استراتيجية، في وقت تواصل فيه واشنطن سياسة الضغط العسكري والاقتصادي بالتوازي. وفي المقابل، جاء الرد الإيراني باستهداف قواعد أمريكية في المنطقة ليؤكد أن أي مواجهة لن تبقى محصورة داخل الحدود الإيرانية.

كما أن الرسائل التي حملها استهداف قاعدة العديد، بالتزامن مع استمرار الدور القطري في الوساطة، تعكس أن المنطقة دخلت مرحلة أصبحت فيها القواعد الأمريكية نفسها جزءاً من معادلة الردع، لا مجرد مواقع عسكرية بعيدة عن النيران.

ثم جاء التصعيد في اليمن، مع قصف مطار صنعاء، ليؤكد أن رقعة المواجهة تتسع أكثر فأكثر، وأن جبهات الإقليم لم تعد منفصلة، بل باتت تتحرك ضمن مشهد واحد تتداخل فيه الحسابات الأمريكية والإسرائيلية والإقليمية.

ما يجري ليس مجرد ردود فعل متبادلة، بل محاولة لإعادة صياغة موازين القوة في المنطقة. والضغط على إيران لا ينفصل عن محاولة فرض شروط تفاوضية جديدة تحقق مكاسب سياسية وأمنية لواشنطن وتل أبيب بعد أن أثبتت السنوات الماضية أن الضغوط الاقتصادية وحدها لم تحقق أهدافها.

لكن السؤال الذي يبدو أن صانع القرار الأمريكي لا يريد الإجابة عنه هو: ماذا لو قررت المنطقة استخدام أوراق قوتها؟

إن مضيق هرمز ليس ممراً إيرانياً فقط، كما أن باب المندب ليس ممراً يمنياً فقط، بل هما شريانان يمران عبرهما جزء كبير من تجارة العالم وإمدادات الطاقة. وأي اشتعال متزامن فيهما لن يكون أزمة تخص الشرق الأوسط، بل أزمة عالمية بكل معنى الكلمة.

لهذا أعتقد أن واشنطن، رغم تفوقها العسكري، تجد نفسها اليوم أمام معادلة أكثر تعقيداً مما كانت تتوقع. فالقوة قادرة على إشعال الحروب، لكنها ليست دائماً قادرة على فرض نهاياتها، والرهان على الضغط وحده قد يفتح أبواباً لا يستطيع أحد إغلاقها.

في النهاية، ليست القضية من يحرس مضيق هرمز، بل من منح نفسه حق حراسة العالم أصلاً. فالجغرافيا لا تُكتب ببيانات البيت الأبيض، والسيادة لا تُمنح بقرار من حاملات الطائرات، والتاريخ أثبت أن الشعوب التي تتمسك بحقها قد تخسر جولات، لكنها لا تتنازل عن حقها في رسم مستقبلها.

“كل إمبراطورية اعتقدت أن البحار أصبحت ملكاً لها، اكتشفت متأخرة أن الخرائط قد تُرسم بالقوة، لكن التاريخ لا يكتبه إلا أصحاب الأرض.”