لا تموت النخب الكولونيالية في بلاد الشام، ولا تندثر بيوتات “الأوليغارشية” التي نمت تاريخياً على ضفاف الأزمات؛ إنها فقط تعيد تدوير جيناتها السياسية والوظيفية بما يناسب شروط العهد الجديد. فمن عباءة “العمامة والوجاهة المحلية” في زواريب بيروت العثمانية والانتدابية، إلى “بدلة التكنوقراط والأكاديميا الدولية” في قاعات محكمة العدل الدولية بـ “لاهاي”، وصولاً إلى سدة رئاسة الحكومة اللبنانية اليوم في تموز 2026، يمتد خيط بنيوي وطبقي لا ينقطع.
​إنه خيط “الكومبرادور” (الوسيط الاستعماري) الذي يتقن تاريخياً لعبة امتصاص الصدمات وتبريد الغضب الشعبي، وتمرير التسويات الجائرة لصالح القوى المهيمنة، مستخدماً دائماً “القانون” و”الشرعية” كمظلتين لتفادي المحاسبة وتصفية الحقوق التاريخية للشعوب.
​أولاً: سليم سلام البارحة.. من احتكار أقوات الجياع إلى سمسرة التراب في “الحولة”
​يُمثل الجد الأكبر، سليم علي سلام (أبو علي)، النموذج التأسيسي لـ “الوسيط” الذي يستغل التحولات الكبرى لتعظيم النفوذ العائلي على حساب الصالح العام. ففي عام 1919، وبينما كان المشرق يغلي على صفيح الانتقال من العهد العثماني الآفل إلى عهد الانتداب الفرنسي، واجه سلام تهمة مدوية كشفتها الصحافة الحرة آنذاك (جريدة “مرآة الغرب”): سرقة واحتكار ثلاثة “فاكونات” (عربات شحن حديدية ضخمة) من السكر المخصص لإغاثة أهالي بيروت الجياع، وبيعه بأسعار فاحشة في أسواق حلب.
​استخدم سلام الجد نفوذه المالي والسياسي لشراء مهارة المحامين وعرقلة مسار القضاء، لتنتهي المحاكمة بالتأجيل المستمر تحت عبارة “تأجلت لأجل غير مسمى”. كان هذا الهروب بمثابة الصك البنيوي الأول لتكريس إفلات الأوليغارشية البيروتية من العقاب وإعادة دمجها في النظام الانتدابي الجديد.
لكن السمسرة على قوت الفقراء لم تكن سوى واجهة لسمسرة أعمق مست جوهر الوجود المشرقي: الأرض والسيادة. ففي عام 1914، حصل سليم سلام وشركاؤه (عبر الشركة الزراعية السورية وبمشاركة آل سرسق) على امتياز تجفيف واستصلاح مستنقعات سهل الحولة الخصب في شمال فلسطين من السلطات العثمانية. وبدلاً من استثمار الأرض لصالح أهلها، توجت هذه النخبة مسيرتها في تشرين الثاني 1934 ببيع هذا الامتياز الاستراتيجي بالكامل للوكالة اليهودية (عبر شركة تطوير أراضي فلسطين).
​لم يكن البيع مجرد صفقة تجارية عابرة، بل كان طعنة كولونيالية مبكرة سهلت اقتلاع آلاف العائلات الفلاحية الفلسطينية من أرضها التاريخية، وسلّمت موقعاً جغرافياً ومائياً فائق الأهمية للغزو الصهيوني الناشئ تحت رعاية الانتداب البريطاني.
​ثانياً: نواف سلام اليوم.. التكنوقراط الدولي كأداة لتمرير الإملاءات وسلب الردع
في المقلب الآخر من التاريخ، وتحديداً اليوم في عام 2026، نرى الحفيد، الدكتور نواف سلام، يتربع على رأس الحكومة اللبنانية منذ فبراير 2025 بعد مسيرة حافلة في أروقة الدبلوماسية الدولية ومحكمة العدل الدولية في لاهاي. ارتدى الحفيد بدلة الأكاديمي والتكنوقراط “المحايد” ليمارس ذات الدور الوظيفي التاريخي للجد، ولكن بأدوات دولية حديثة فائقة النعومة والخطورة:
.1 ​إعلان “شيطنة المقاومة” باسم الشرعية: منذ تسلمه السراي الحكومي عام 2025، حرص نواف سلام على صياغة بيان وزاري يتبنى علانية نزع الغطاء الوطني والسياسي عن السلاح الذي يحمي لبنان من أطماع الكيان الصهيوني. تحت مسميات براقة مثل “حصر السلاح بيد الدولة” والتطبيق الحرفي للقرارين 1701 و1559، تسعى حكومته لتصوير المقاومة كـ “قوة غير شرعية”. هذا الموقف ليس قراءة قانونية باردة، بل هو طعنة سياسية صريحة في ظهر المدافعين عن الأرض، وتواطؤ لتجريد لبنان من ورقة الردع الوحيدة التي تملكها الشعوب المشرقية في وجه آلة الحرب والاستيطان.
.2 ​ترسيخ “الاتفاق الإطاري” وتصفية الحقوق الساحلية: ارتبط اسم نواف سلام بهندسة وتمرير “الاتفاق الإطاري” لترسيم الحدود البحرية مع الكيان الصهيوني. هذا الاتفاق الذي شرعن التنازل عن مساحات مائية سيادية غنية بالغاز، وربط مقدرات لبنان الاقتصادية بإملاءات الطاقة الدولية والوساطة الأمريكية المنحازة بالكامل للكيان الصهيوني الغاصب، محولاً ثروات الأجيال إلى رهن لتسويات تضمن أمن الكيان الصهيوني واستقراره الاقتصادي.
.3 ​الارتهان للمحور الغربي وقطع الشرايين الإقليمية: تجلى السقوط السياسي لحكومة سلام في آذار 2026 عندما أقدمت على طرد السفير الإيراني وسحب اعتماده، في خطوة فجة لإرضاء الدوائر الغربية وقطع الشرايين الإقليمية التي تمد المشرق بعناصر الصمود في مواجهة الحصار. تلا ذلك زيارته إلى باريس في نيسان 2026 لتقديم فروض الطاعة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وتأكيد التزام لبنان بالإملاءات الغربية الرامية لإعادة هندسة المنطقة سياسياً وأمنياً بما يخدم حماية الكيان الصهيوني.
​ثالثاً: جينات “الوسيط”.. كيف تخدم النخب الكولونيالية أسياد العهد؟
​إن المشترك الجوهري العابر للأجيال في سلالة آل سلام هو تجسيدهم التاريخي لنموذج “الكومبرادور” (الوسيط الاستعماري). هذا الوسيط لا يملك مشروعاً سيادياً حقيقياً، بل يعتاش على إدارة الهيمنة وتبريد الغضب الشعبي عبر تقديم “مسكنات قانونية” بليغة للضحايا، لتفادي غضب الأسياد في الخارج (سواء كانت باريس بالأمس أو واشنطن اليوم).
​إن القضاء الدولي الذي كان يرأسه سلام يماطل ويصيغ قراراته بلغة دبلوماسية حمالة أوجه لتفادي غضب واشنطن، تماماً كما تلاعب محامو الجد بالثغرات القانونية عام 1919 لتأجيل محاكمته حماية لمصالح الطبقة الحاكمة.
​وعند فك شفرة هذا التحول الوظيفي التاريخي للسلالة من الجد إلى الحفيد، نجد أن التغيير اقتصر على الأقنعة دون المساس بالجوهر التبعي:
​تأسست السلالة مع الجد سليم علي سلام (أبو علي) ككومبرادور تجاري وترابي فج؛ اعتمد في نفوذه على احتكار السكر وقمع الجياع والتلاعب بالقضاء المحلي عام 1919، ثم توج ذلك ببيع امتياز سهل الحولة الاستراتيجي للوكالة الصهيونية عام 1934، ليدفع فقراء بيروت وفلاحو شمال فلسطين الثمن من جوعهم ووجودهم على أرضهم التاريخية.
​ثم عبرت الشعلة إلى الجيل الوسيط من الأبناء والعمومة، الذين شكلوا “كومبرادوراً سياسياً” بالمعنى الكلاسيكي؛ حيث أداروا تسويات العهد الانتدابي وورثوا المناصب الحكومية والبرلمانية، ليرسخوا صيغة النظام اللبناني الطائفي والتبعي التوزيعي الذي ضمن بقاء امتيازات الأوليغارشية البيروتية تحت رعاية فرنسية ثم بريطانية.
وصولاً إلى الحفيد نواف عبد الله سلام، الذي يمثل “الكومبرادور القانوني والدبلوماسي الدولي” في القرن الحادي والعشرين؛ فهو يستخدم عباءة التكنوقراط والأكاديميا الأنيقة، وترؤس المحكمة الدولية ولغة القانون المحايدة ليمرر أخطر الطعنات للسيادة الوطنية؛ من هندسة “الاتفاق الإطاري” الذي يخدم المصالح الطاقوية والأمنية الصهيونية، إلى محاصرة السلاح الذي يحمي لبنان تحت دعاوى “احتكار السلاح بيد الدولة” وتطبيق القرارات الدولية المترهلة، مما جرّد لبنان عملياً من عناصر قوته وردعه الفعلي.
​السلالة لا تموت.. بل تعيد إنتاج أقنعتها
لم تتغير اللعبة طوال قرن من الزمان؛ تغيرت فقط الرتب والأدوات والأزياء الرسمية. من “ثلاثة فاكونات من السكر” سُرقت من أفواه جياع بيروت، وبيع تراب “سهل الحولة” للوكالة اليهودية، إلى “اتفاقيات إطارية” وبيانات وزارية تسلب لبنان حقوقه وتنزع الشرعية عن مقاومته لإرضاء واشنطن وتأمين حدود الكيان الصهيوني الغاصب في عام 2026.
تثبت سلالة آل سلام، عبر قرن من الزمان، أن النخبة التابعة في بلاد الشام لا تموت؛ إنها فقط تعيد إنتاج نفسها، وتنتقل من عباءة “الوجاهة المحلية” إلى “بدلة التكنوقراط الدولي”، لتؤدي دائماً الدور ذاته: تصفية الحقوق، تبريد الغضب، ومحاولة تجريد الشعوب من حقها المشروع في المقاومة والدفاع عن وجودها.
د. نبيلة عفيف غصن