حين يبلغ التآمر على وطن ما ذروته، يصبح السكوت خيانة موصوفة، وتتحول الضبابية في المواقف إلى جريمة بحق التاريخ والجغرافيا. ما يعيشه لبنان اليوم ليس مجرد “أزمة حكم” أو تعثراً مالياً عابراً، بل هو عملية إطباق كاملة وتقاسم أدوار مريب يُنفذ بدم بارد. إن اللوبي الصهيوني، بأدواته الدولية وأقنعته المحلية، بات يأكل “عالضرسين” في الجسد اللبناني: ضرس يطحن لقمة عيش المواطن في الداخل عبر مراسيم الإفقار، وضرس يقضم ما تبقى من سيادة الوطن على الحدود عبر اتفاقيات العار.
الضرس الأول: تجويع ممنهج.. الضرائب سلاحاً للإخضاع
إن المراسيم الضريبية الجنونية التي تفرضها السلطة ليست خطة إنقاذ اقتصادي، بل هي أداة حرب تصب في مصلحة المشروع الصهيوني. إنهم يدركون أن قوة لبنان ليست في ترسانته فحسب، بل في صلابة مجتمعه؛ لذا عمدوا إلى سحق الجبهة الداخلية، لتتحول لقمة العيش إلى جهاد يومي يُشغل الإنسان عن قضية وطنه. إن رفع كلفة المعيشة إلى حدود مستحيلة هو دفع ممنهج لتهجير العقول وتفريغ الأرض من قواها الحية، ليبقى لبنان وطناً منهكاً، مستسلماً، يسهل تشكيله كأداة طيعة في الكواليس الدولية.
الضرس الثاني: “اتفاق 26 حزيران”.. التوقيع على صك الهزيمة وتعويم العدو
على المقلب الآخر، وفي ذروة انشغال الناس بلقمة الخبز، يُمرر الأخطر: اتفاق 26 حزيران المشؤوم مع العدو الإسرائيلي. هذه السلطة التي تتدثر بشعارات “الحماية الدولية”، تمضي في توقيع صكوك إذعان تُغلف بعبارات تقنية وأمنية، وهي في جوهرها محاولة يائسة لاستنساخ “17 أيار” تحت وطأة الدمار والابتزاز.
إن ما يُطرح اليوم هو استحضار لمشاريع الإخضاع التي دُفنت سابقاً، وهو اعترافٌ ضمني بعجز العدو عن فرض إرادته في الميدان، فلجأ إلى “الدبلوماسية القسرية”. والأدهى من ذلك، أن هذا الاتفاق المذل قد تحول إلى طوق نجاة لنتنياهو؛ إذ سارع الأخير إلى استغلال هذا التوقيع لإعلان “الانتصار” أمام جمهوره الداخلي، مستخدماً إياه ورقةً سياسية لتعويم موقفه المأزوم وترميم صورة الردع المكسورة لديه، مُظهراً لبنان بموقع المذعن الذي يمنحه شهادة براءة من هزائمه الميدانية. هذا الاتفاق لا يهدف إلى استقرار، بل إلى مكافأة العدو، وشرعنة وجوده، وتحويل ثروات لبنان الوطنية إلى رهينة للموافقة الإسرائيلية، وتجريد المقاومة من أوراق قوتها الردعية.
جبهة الكرامة: التي تقف صلبة كالصخر، تؤمن بأن الردع الشامل هو خط الدفاع الأخير، وأن السيادة لا تُستجدى في أروقة السفارات، بل تُنتزع بالميدان.
جبهة الإذعان: قوى سياسية مرتهنة، تتغذى على أوهام “خشبة الخلاص” الدبلوماسية، وتسعى لتقديم قرابين الولاء للعدو ورعاته، ضاربةً بعرض الحائط هوية الدولة وخياراتها الاستراتيجية.
إن البحث عن “قاسم مشترك” في ظل هذا الانقسام هو وهم؛ فالسلطة السياسية اليوم تبدو فاقدة للقدرة على تمثيل إرادة وطنية، رهينةً لأجندات خارجية ومزايدات انتخابية تهدف إلى ردم السيادة بدلاً من حمايتها.
الخاتمة: الكلمة للميدان
إن المرحلة المقبلة ستكون اختباراً حقيقياً للبقاء. إن اتفاقيات العار هذه—بضماناتها الهشة—محكومة بالفشل أمام صمود الإرادة الحرة. إن اللوبي الصهيوني يحاربنا بقلم المسؤول الذي يوقع على مرسوم ضريبي، وبحبر المفاوض الذي يوقع على صك تنازل لتعويم نتنياهو، لكنه ينسى أن الجمر لا يزال تحت الرماد.
إننا ذاهبون إلى مرحلة لا تُحسم فيها الملفات بالأوراق الدبلوماسية، بل بصلابة الشعب الذي يرفض الانكسار. الكلمة الفصل ليست لأهل السياسة الباحثين عن مخارج، بل للبندقية التي ترسم حدود المستقبل، وتُملي على العدو شروط البقاء. إن كرامة الوطن لا تتجزأ، ومن يفرط بلقمة عيش المواطن، لن يتوانى عن بيع حدود الوطن في سوق النخاسة الدولية. فلم يبقَ إلا الوعي، والمواجهة، والرفض المطلق لهذه الشراكة الخبيثة.
د.نبيلة عفيف غصن
