نذير الهيمنة: في مأزق الوطن المسلوب ومسارات التبعية

بقلم د. نبيلة عفيف غصن

​في لحظة تاريخية فارقة، يقف لبنان اليوم أمام منعطف وجودي يتجاوز في خطورته كل ما عرفته البلاد من أزمات سابقة. إننا نشهد اليوم تفكيكاً ممنهجاً للسيادة، حيث تُحاك الصفقات في الغرف المظلمة وتُباع الأوطان في مزادات دولية، تحت مسميات “الاستقرار” و”الإطار الأمني”.
​إن ما نراه اليوم من تطورات متسارعة، بدءاً من توقيع ما سُمي بـ “الاتفاق الإطاري” بين السلطة اللبنانية و”إسرائيل” في 26 يونيو 2026، وصولاً إلى التسريبات حول تورط أطراف إقليمية في تمويل عصابات “الجولاني” للقيام بدور “الوكيل” في الساحة اللبنانية، ليس إلا فصلاً من فصول الحرب على الوعي والوجود.
​حقيقة المسارات: بين “الإطار” والوكالة المأجورة
​إن “الاتفاق الإطاري” الذي أُبرم في واشنطن تحت رعاية أمريكية، لا يمثل بأي حال من الأحوال تفاهمات بين أنداد، بل هو نصٌ يكرس موازين القوى لصالح الاحتلال. فحين نقرأ في بنوده سعي الأطراف إلى “إنهاء الصراع” و”نزع سلاح الجماعات غير الحكومية”، ندرك أن الدولة اللبنانية أصبحت -بفعل هذا التوقيع- أداة لتنفيذ اشتراطات الآخرين، وتجريد المجتمع من أدوات دفاعه ومقاومته.
​أما تسريبات الدعم المالي الذي تقدمه دولة الإمارات لعناصر تابعة للجولاني، وبأجر شهري يصل إلى 1500 دولار للعنصر الواحد، فإنها تضعنا أمام استراتيجية “الوكالة المأجورة”. هذا المسار يشير إلى رغبة القوى الإقليمية والدولية في استبدال المواجهة العسكرية المباشرة -التي قد تكون مكلفة أو متعثرة- بنقل المعركة إلى أيدي ميليشيات تتلقى تمويلها من جهات إقليمية، ضمن رؤية “توم باراك” والتوجهات الأمريكية الجديدة، لإحداث تغيير ديموغرافي وسياسي يخدم المصالح الإسرائيلية في السيطرة على “العمق الحيوي” لبلادنا.
​أين يقع لبنان في هذا المشهد؟
​إن توقيع “الاتفاق الإطاري” يمثل الغطاء الشرعي لهذا المسار التخريبي. فهو يمنح “الغطاء القانوني” للجيش اللبناني ليكون بمثابة حارس للحدود والأمن الإسرائيلي، بينما تتكفل “عصابات الجولاني” بالدور القذر في “تنظيف” الساحة من أي بؤر مقاومة أو تنظيمات وطنية ممانعة، بتمويلٍ إقليمي ورعاية أمريكية كاملة.
​نحن أمام هندسةٍ استراتيجية تجمع بين:
​الغطاء السياسي: عبر اتفاقيات رسمية تفرض تفكيك البنية التحتية للمقاومة وتضمن أمن الاحتلال.
​الاستثمار المادي: عبر شراء الولاءات وتمويل الجماعات المتطرفة لتكون “ذراعاً وظيفياً” في الداخل اللبناني.
​العقيدة الأمنية: التي تهدف إلى تحويل الوطن من حالة “السيادة والمقاومة” إلى حالة “الخدمة الأمنية الوظيفية” لإسرائيل في الإقليم.
​إن هذا المسار، يا أبناء الأمة، هو اختبارٌ لبقائنا ككيان سياسي واجتماعي. إن تحويل العناصر إلى مجرد أرقام تُباع وتُشترى مقابل 1500 دولار، وتحويل السلطة إلى موقِّع على صكوك إذعان، هو نذيرٌ بسقوط مؤسسات الدولة في فخ التبعية الكاملة.
​إن الوعي بهذا المخطط هو خط الدفاع الأول؛ فالمعركة اليوم ليست فقط في الميدان، بل في حماية الذاكرة والهوية من محاولات المسخ والتدجين التي تفرضها علينا اتفاقيات “الإطار” المسمومة. إننا مطالبون بوقفة عزٍ وطنية ترفض استباحة الأرض، وتكشف بوضوح كل من يتواطأ لبيع لبنان في أسواق السياسة الإقليمية.
​إن الحقيقة التي لا يمكن إخفاؤها أن هذه “التسويات” ليست سوى مقدمات لزوال كيانات، وإذا لم نكن ندرك أبعاد هذه “الوظائف المأجورة” التي تُسند للجماعات المتطرفة برعاية خليجية وتمويلٍ مباشر، فإننا نكتب بأيدينا الفصل الأخير من تاريخنا الحر.
Nabila Ghosn