في وقتٍ كانت تنشغل فيه عواصم القرار الدولي والمحافل الدبلوماسية بفك طلاسم المفاوضات ومساراتها المعقدة على وقع طبول الحرب المستعرة، كانت المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان تخطّ بـ “النار والحديد” معادلة ميدانية جديدة، متجاوزةً حدود الدفاع التقليدي إلى آفاق “الهجوم الجوي المتتالي”، لتضع جيش الاحتلال الإسرائيلي في أعمق مأزق تكتيكي وتكنولوجي يواجهه منذ بدء المواجهة.
​1. “الهجوم الجوي المتتالي”: كسر الهيبة التكنولوجية
​أزاح الإيجاز الميداني الستار عن مصطلح عسكري جديد دخل حيز التنفيذ العملي: “الهجوم الجوي المتتالي”. هذا التكتيك لا يعتمد على المناوشات الفردية، بل يقوم على دفع أسراب متلاحقة من المسيّرات الانقضاضية نحو عمق تمركزات العدو عند الحافة الأمامية وفي الأراضي اللبنانية المحتلة.
​الضربات لم تكن عشوائية، بل استهدفت بدقة متناهية المواقع الحيوية المجهزة بأحدث تقنيات التشويش الإلكتروني، وأجهزة الرصد البصري والفني. هذا الاستهداف الممنهج يعني بوضوح: شلّ عيون وآذان الاحتلال الاستخباراتية وتحييد تفوقه التكنولوجي.
​بعد أن تلقى الاحتلال ضربات موجعة ومستمرة طوال ساعات النهار، عمدت قيادته إلى تغيير تكتيكاتها العسكرية؛ حيث انكفأت القوات وبدأت بالتحرك والتسلل تحت جنح الظلام، ظنّاً منها أن الليل سيشكل غطاءً آمناً يقيها ضربات المسيّرات.
​لكن المفاجأة الاستراتيجية الصادمة تمثلت في دخول مسيّرات “أبابيل” الانقضاضية إلى الخدمة الليلية. حيث أثبتت العملية النوعية التي نُفذت في منطقة “إسكندرونا” قبيل الساعة العاشرة ليلاً، وأسفرت عن مقتل جنديين للاحتلال، أن:
الخلاصة الميدانية:
لم يعد أمام هذا العدو المربك والمحاصر بكوابيس الميدان في جنوب لبنان سوى خيارين لا ثالث لهما: إما الانسحاب الفوري سيراً على الأقدام لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أو البقاء في هذا المستنقع وانتظار مصيره المحتوم تحت ضربات مسيّرات المقاومة.
د. نبيلة عفيف غصن