أحياناً، أتخيل حياةً أخرى؛ حياة لم تكن فيها “إسرائيل” أصلاً..

صمود غزال

أحياناً، أتخيل حياةً أخرى؛ حياة لم تكن فيها إسرائيل أصلاً. ماذا لو لم يُهجَّر أبي؟ ماذا لو أحبّ امرأةً ليست لاجئةً مثله؟ ماذا لو وُلدتُ في مدينة حقيقية، لا في مخيم؟ كيف كانت ستتشكّل ملامحي النفسية؟ وكيف كانت ستبدو طفولتي بعيداً عن أخبار المجازر والحروب ووجوه الشهداء؟

أتخيل نفسي أسيرُ في القدس، لا غريبة، بل ابنة المكان. أتساءل: هل كنتُ سأدرس في جامعة هناك؟ أم في رام الله؟ أم ربما في غزة، المدينة التي لم أعرفها إلا عبر الموت؟ وماذا كنتُ سأدرس؟ هل كنتُ سأختار الصحافة أيضاً، أم كنتُ سأعيش حياةً عادية، لا تقوم على مطاردة الأخبار الثقيلة والجثث والخذلان؟

أتذكر جدتي، من جهة أبي، حين كانت تردد دائماً: “أنتِ بنت مدينة… يجب أن تتزوجي ابن مدينة”. أبتسم بحزن. حتى الحب، عند الفلسطيني، يصبح حلماً معقداً؛ ابن مدينة، ابن قرية، ابن 48، لاجئ، غير لاجئ، مخيم، شتات، جواز سفر، هوية مؤقتة، رقم وطني، تصريح مرور. لم يقتصر الاحتلال على الأرض، بل امتد ليعيد تشكيل أدق تفاصيل حياتنا، حتى اختيارات القلب.

حتى أطفالنا يرثون التعب قبل أن يرثوا أسماءنا. ابنتي لم ترَ فلسطين، لكنها تعرف معنى الحاجز والخوف واللجوء. تعرف أن هناك شعوباً تولد وفي يدها مفاتيح البيوت، بينما نولد نحن وفي أيدينا مفاتيح الغياب..

ربما هذه هي معجزة الفلسطيني الوحيدة: أنه بالرغم من كل ما فعلته إسرائيل، لم تستطع أن تحتل خيالنا. لم تستطع أن تجعلنا نتوقف عن تخيّل الحياة الأخرى التي سُرقت منا. حياة بلا مخيمات، بلا حروب، بلا نشرات عاجلة، بلا قوائم شهداء.

حياة عادية فقط…