لم يعد الكيان الصهيوني يكتفي بالعدوان العسكري على لبنان، ولا بالحصار الاقتصادي، ولا بالحرب النفسية والإعلامية. اليوم، ينتقل المشروع الصهيوني إلى مرحلة أكثر خطورة: إعادة هندسة الوعي السياسي اللبناني نفسه، وإعادة تعريف معنى “السيادة” و”الدولة” و”الاستقرار” بما يخدم الأمن الإسرائيلي أولاً وأخيراً.
التقرير الصادر عن مركز “ألما” الإسرائيلي، المرتبط مباشرة بمؤسسات الأمن والاستخبارات في الكيان، ليس مجرد قراءة أكاديمية للمشهد اللبناني، بل وثيقة استراتيجية تكشف كيف يفكر العدو، وكيف يريد للبنان أن يُعاد تشكيله بعد الحرب، وكيف تُدار معركة تفكيك مفهوم المقاومة وتحويله إلى “مشكلة داخلية” بدل كونه مشروع دفاع وطني في مواجهة الاحتلال والعدوان.
إنه تقرير لا يقرأ لبنان كدولة مستقلة، بل كساحة يجب إعادة ترتيبها بما يضمن أمن الحدود الشمالية للكيان الصهيوني، ويحوّل لبنان من بلد مواجهة إلى بلد منزوع الإرادة والسيادة الحقيقية.
“السيادة” كما يريدها العدو: دولة بلا مقاومة وحدود بلا حماية
أخطر ما في التقرير الإسرائيلي أنه يحاول احتكار تعريف السيادة اللبنانية. فالعدو يطرح معادلة واضحة: إما دولة لبنانية “سيادية” وفق المفهوم الغربي–الإسرائيلي، أي دولة مجردة من أي قوة ردع حقيقية، أو لبنان “مختطف” من المقاومة.
هل السيادة هي أن تُفتح الأجواء اللبنانية يومياً للطيران المعادي؟ هل السيادة هي أن تُحتل الأرض وتُنتهك المياه والثروات والحدود؟ هل السيادة هي أن يبقى لبنان عاجزاً عن حماية نفسه بجيش ممنوع عليه التسليح النوعي بقرار أمريكي وغربي؟ أم أن السيادة الحقيقية تبدأ عندما يصبح الاحتلال مكلفاً، والعدوان مكلفاً، والتوسع الصهيوني مكلفاً؟
التقرير الإسرائيلي يكشف بوضوح أن المعركة لم تعد فقط على الحدود، بل داخل العقل اللبناني نفسه.
معسكر يُقدَّم بوصفه “سيادياً” لأنه يقبل بالمفاوضات المباشرة مع العدو.
إنها محاولة خطيرة لقلب الحقائق: فالذي دمّر لبنان عبر العقود ليس المقاومة، بل المشروع الغربي–الخليجي–الصهيوني الذي حاصر الاقتصاد، ورعى الفساد، وفكك مؤسسات الدولة، وفرض التبعية المالية والسياسية على لبنان.
المفاوضات ليست تقنية… بل إعادة تموضع استراتيجي للبنان
يحاول التقرير تصوير المفاوضات المباشرة كأنها مجرد “أداة سياسية” لاستعادة الحقوق. لكن الحقيقة أن ما يسعى إليه الكيان هو نقل لبنان من موقع العداء للمشروع الصهيوني إلى موقع الاحتواء التدريجي والتطبيع المقنّع.
فالعدو يعرف جيداً أن التطبيع الكامل دفعة واحدة غير ممكن، لذلك يعتمد سياسة التدرج:
مفاوضات أمنية.
تفاهمات حدودية.
تنسيق غير مباشر.
إنها الآلية نفسها التي استُخدمت في دول عربية أخرى، حيث بدأ الأمر بعنوان “الاستقرار” وانتهى بإدماج الكيان الصهيوني في البنية السياسية والاقتصادية والأمنية للمنطقة.
لماذا يخشى العدو “معادلة المقاومة”؟
وهذا الاعتراف بالغ الأهمية، لأنه يؤكد أن العدو يدرك حقيقة أساسية: المقاومة ليست مجرد تنظيم عسكري، بل تعبير عن شعور عميق لدى شريحة واسعة من اللبنانيين بأن الدولة الرسمية، بصيغتها الحالية، عاجزة عن حماية البلاد من الأطماع الصهيونية.
ولهذا يركز التقرير على ضرورة ضرب مفهوم “المقاومة” نفسه، لا فقط سلاح المقاومة.
فالكيان يعلم أن أخطر ما يواجهه ليس الصاروخ بحد ذاته، بل العقل الذي يؤمن بأن مواجهة المشروع الصهيوني ضرورة وجودية وليست خياراً سياسياً عابراً.
بين الدولة الوظيفية والدولة الحرة
المعضلة الحقيقية التي يتهرب منها التقرير ليست وجود سلاح المقاومة، بل طبيعة الدولة التي يريدها الغرب للبنان.
هم يريدون دولة:
خاضعة لشروط صندوق النقد والمؤسسات الغربية.
مرتبطة أمنياً بالمنظومة الأمريكية.
عاجزة عسكرياً.
مفتوحة اقتصادياً أمام الهيمنة الخارجية.
وممنوعة من امتلاك قرارها الاستراتيجي المستقل.
أي أنهم يريدون “دولة وظيفية” لا “دولة سيادية”.
أما الدولة الحرة فعلاً، فهي الدولة القادرة على حماية حدودها وثرواتها وقرارها السياسي، لا الدولة التي تستبدل الاحتلال العسكري بالوصاية الدولية.
أخطر ما في المرحلة: صناعة بيئة داخلية متصالحة مع العدو
التقرير الإسرائيلي يعبّر عن تفاؤل واضح بتغيّر الخطاب السياسي والإعلامي داخل لبنان، وخصوصاً لدى بعض القوى التي باتت تتحدث عن “المفاوضات المباشرة” بوصفها خياراً وطنياً لا مجرد ضرورة ظرفية.
وهذا بحد ذاته يكشف حجم الاختراق السياسي والثقافي الذي تعمل عليه القوى الغربية والإقليمية داخل لبنان.
فالخطر لا يكمن فقط في أي اتفاق محتمل، بل في تحويل العدو إلى “شريك تفاوض طبيعي”، وإزالة الحاجز النفسي والسيادي معه، تمهيداً لإعادة تشكيل هوية لبنان السياسية بما يتناسب مع النظام الإقليمي الجديد الذي يجري فرضه بالنار والحصار والابتزاز.
لبنان أمام لحظة تاريخية فاصلة
ما يجري اليوم ليس خلافاً عادياً حول أسلوب إدارة التفاوض، بل صراع وجودي حول هوية لبنان وموقعه ووظيفته في المنطقة.
هل يكون لبنان:
دولة مواجهة ترفض الخضوع للمشروع الصهيوني؟
أم ساحة مستتبعة تُدار وفق شروط الأمن الإسرائيلي؟
هل تبقى السيادة مرتبطة بالقدرة على الردع والتحرر؟ أم تُختزل في بيانات دبلوماسية وحدود يحددها العدو؟
إن أخطر ما يمكن أن يقع فيه اللبنانيون اليوم هو الانخداع بالمفردات التي يروّجها العدو: “الاستقرار”، “السيادة”، “السلام”، “الدولة”.
فالكيان الصهيوني لا يريد للبنان أن يكون قوياً، بل يريد لبنان منزوع الإرادة، منزوع الحماية، ومنهكاً داخلياً، بحيث يصبح أي عدوان عليه مجرد تفصيل إداري لا يملك القدرة على مواجهته.
ولهذا، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط على الحدود الجنوبية، بل على وعي اللبنانيين أنفسهم: وعيهم بتاريخ العدو، بطبيعة المشروع الصهيوني، وبأن الأوطان لا تُحمى بالرهان على الخارج، بل بإرادة التحرر والسيادة والقدرة على المقاومة.
د. نبيلة عفيف غصن