انهيار سردية قديمة: ما جرى في بكين لم يكن زيارة عادية

تثبت الأحداث أن ولادة العالم الجديد كانت مع بداية الحرب الأوكرانية، ومخاضه يحصل الآن مع الحرب الإيرانية، وبزيارة ترامب إلى الصين وحجم أجندة ما طُرح في القمة، أصبحت ولادته قطعية ليكتب التاريخ أن زمن القطب الواحد قد انتهى.

لم تكن زيارة الرئيس الأمريكي إلى منافسه الاستراتيجي عادية هذه المرة؛ لأن تمدده في القارات الخمس وتوسعه في دول عانت من الهيمنة الأمريكية يعني الكثير في قوة الصين.

سبقت زيارة ترامب ملفات كبرى يجب أن يقدم فيها أجوبة صريحة لمنافسه: تايوان، إيران، فنزويلا، نووي اليابان وغيره. فلا الرسوم الجمركية أصبحت كافية، ولا الصفقات التجارية تكفي الصين. كما لن يقدر ترامب على احتواء الصين بخمسة تريليون دولار رأس مال رجال الأعمال الذين اصطحبهم، ولا ينسى أن نفس المبلغ جمعه استجداءً من دول الخليج ليكشف عن مستوى الأزمة الاقتصادية التي تعيشها أمريكا.

من يمثل الولايات المتحدة ذهب إلى بكين هذه المرة، وهو يحمل معه نتائج مرحلة كاملة من الأزمات والديون والاستنزاف، من أوكرانيا إلى إيران، ومن فنزويلا إلى تايوان، ومن الحرب الاقتصادية إلى ملف احترام القانون الدولي. للمرة الأولى منذ نهاية الحرب الباردة، تبدو القوة الأمريكية وكأنها مضطرة لإدارة تراجعها وضبطه، لا توسعها وهيمنتها؛ فزمن هندسة العالم وفق الشروط الأمريكية قد انتهى.

لا تكمن قوة الصين في حجم اقتصادها المارد فقط، بل في جغرافيا الدول التي نجحت في النفوذ إليها ونمط اختراقها. اكتشفت أمريكا أخيرًا أن بكين لم تكن تبني مجرد فائض من الأرباح، بل كانت تعمل على تمدد يوازن بين احترام الشعوب (حسب ادعائهم) والالتزام بالقانون الدولي والتشبيك الاقتصادي للوصول إلى منابع الإنتاج العالمي: الثروات الطبيعية، التكرير، المكونات الوسيطة، وسلاسل الإمداد التي تقوم عليها الصناعات العسكرية، والمعادن النادرة التي أصبحت تتحكم بها بنسبة 95% مثل الديسبروسيوم والتيربيوم للصناعات التكنولوجية المتقدمة، والطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعي، وحتى الصناعات الخفيفة والاستهلاكية. ليتبين أن التفوق العسكري الأمريكي لم يعد كافيًا عندما تكون المواد الأساسية التي يقوم عليها هذا التفوق تمر عبر الخصم الاستراتيجي.

استفادت الصين من الدرس السابق للاتحاد السوفيتي، وتغلغلت في جل مؤسسات اقتصاد النظام الغربي الحاكم في مقدرات الشعوب، ونفذت إلى العولمة الأمريكية بلعبة العولمة نفسها حتى تمكنت، مستفيدة من أسواق الغرب ورأس ماله وتكنولوجيته، بل وتناقضاته وأزماته، لإعادة تشكيل ميزان القوة العالمية. مما جعل الصراع الحالي أكثر تعقيدًا من الحرب الباردة السابقة؛ لأنه ليس صراعًا بين نظامين منفصلين، بل صراع من داخل نظام اقتصادي واحد، مما بات يهدد بابتلاع مركزه التاريخي وكل من أسسه.

تتعلم واشنطن أن الصدام مع الصين خطير، والاستمرار في الاعتماد عليها أكثر خطورة، أما الحرب المفتوحة معها فقد تدفع الاقتصاد العالمي إلى حافة الانهيار. لذلك تبدو الإدارة الأمريكية وكأنها تحاول شراء الوقت، والقفز على الصراع.

مع المشهد الجديد لمعطيات كثيرة، يتغير معنى القوة. إذ لم تعد حاملات الطائرات والغواصات النووية ولا الطائرات الشبحية كافية لصناعة السياسة الدولية، كما لم تعد العقوبات قادرة وحدها على إخضاع الدول وتركيع سيادتها. القوة باتت في التحكم في جميع أصناف التدفقات، ومن يسيطر على هذه الثروات ومعابرها سيستطيع تشكيل العالم الجديد بصمت، من دون الحاجة إلى احتلال مباشر أو حروب مدمرة.

تدخل واشنطن هذه المرحلة بارتباك شديد، وبكين تدرك هذا وتستثمر في لحظة الضعف والانقسام الحاصل الآن في واشنطن، والذي ينعكس مباشرة على زيارة ترامب، وهذا ما تبحث عنه الصين لتستثمر فيه. صحيح أن ساعة واشنطن متأخرة عن بكين، لكن حركة الانقسام دلالاتها كانت سابقة وطافحة للرأي العام. والأكيد أن من يفقد توازنه داخليًا لا يقدر على فرض شروطه خارجيًا.

ما حصل في كلمة الرئيس الصيني حين قال لترامب يعني الكثير: “دعنا لا نقع في فخِّ ‘ثوسيديدس'”. ولاحظ الرئيس الصيني أن ترامب لا يعرف ثوسيديدس ولم يسمع به من قبلُ، فاستطرد موضحًا: “علينا أن نتصرف من مبدأ القوى المتكافئة، وليس القوة الصاعدة والقوة المهيمنة. أمريكا ليست القطب الأوحد في العالم، نحن هنا، نحن قوة متكافئة، والعالم اليوم هو عالم ثنائي القطبية: أمريكا والصين. أما إذا قررت أمريكا أن تتصرف كقوة عظمى وحيدة، فإننا سنصل إلى الحرب، وهذا ليس في مصلحة الطرفين”. هذا ملخص زيارة ترامب للصين.

ذهب ترامب باحثًا عن إنجازات سريعة ومكاسب كبيرة يرمم بها صورته داخليًا، وربما ليجعل منها أمريكا. وكان مكسبه أن وافقت الصين على شراء النفط الأمريكي، وسفنها ستبدأ قريبًا بالتوجه إلى موانئ أمريكية، وسيتخذ قرارًا خلال الأيام القليلة المقبلة بشأن رفع العقوبات المفروضة على شركات النفط الصينية التي تشتري النفط الإيراني.

ولم تكن الاتفاقات المبرمة بحجم ما كان يتوقعه، مع صمت صيني محسوب في العديد من الملفات العابرة مثل الملف الإيراني والفنزويلي.

يبقى أن ما شهده مطار بكين الدولي كان متوقعًا أثناء مغادرة الوفد، حيث تم التخلص من كافة الهدايا والمقتنيات التي قدمها الجانب الصيني للوفد خلال الزيارة، كما شملت العملية أجهزة الجوال والأجهزة الإلكترونية التي قُدّمت كهدايا، وسط تعليمات صارمة من جهاز الخدمة السرية الأمريكي بمنع دخول أي منتج أو قطعة صينية إلى متن الطائرة الرئاسية. ويعتبر مراقبون أن المشهد يمثل ذروة عدم الثقة بين واشنطن وبكين، حيث فضل الجانب الأمريكي إلقاء الهدايا في القمامة بدلًا من المخاطرة بفحصها أمنيًا.

لن تُقاس القمة هذه المرة بما سيُعلن أو يُنشر عبر الإعلام، بل بما ستمنعه من انفجارات وأزمات قائمة وقادمة. ما جرى في بكين لم يكن زيارة عادية… بل لحظة كاشفة لانهيار سردية قديمة قد انتهت.
حسن بن عمارة