ليست المسألة في لبنان طائفةً جديدة تُضاف إلى سجل الطوائف، ولا هي اصطفاف مذهبي ضيق كما يحاول البعض تصويرها. ما يُسمّى اليوم بـ”المقاومة” ليس هوية دينية ولا انتماءً طائفياً، بل هو موقف أخلاقي وسياسي جامع، يمتد من أقاصي عكار إلى أقاصي الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، ويضم في صفوفه سُنّة وشيعة ومسيحيين ودروزاً وأرمن، وكل من قرر أن يكون إنساناً قبل أي صفة أخرى.
المعيار هنا بسيط وحاسم: هل تقبل أن تكون شريكاً في الإبادة، بالصمت أو بالتواطؤ أو بحماية حدود العدو؟ أم ترفض؟
بهذا المعنى، كل من يقول “لا” لمشروع التطبيع، وكل من يرفض أن تُذبح غزة ويُسحق فلسطين فيما يُطلب منه أن يصمت، هو جزء من هذه الحالة المقاومة، شاء من شاء وأبى من أبى. ولهذا تحديداً، يصبح هذا الموقف مرفوضاً من الولايات المتحدة، لأن المشكلة ليست في سلاح أو حزب، بل في فكرة: فكرة الرفض.
هنا تبدأ الحرب الحقيقية.
ليست الحرب فقط على الجبهات، بل حرب منظمة تُشن على وعي الناس، تقودها الولايات المتحدة عبر أدواتها المحلية، السياسية والإعلامية، التي تسعى إلى إعادة تشكيل لبنان ليكون بلداً مستسلماً، قابلاً بالتطبيع، ومفصولاً عن قضيته المركزية.
لكن هذه المحاولة تصطدم بحقيقة لا يمكن إنكارها: الغالبية الساحقة من اللبنانيين، وفق كل الاستطلاعات—سواء الغربية أو العربية أو المحلية—ترفض التطبيع مع الكيان الصهيوني. هذه ليست دعاية، بل واقع موثق. ومع ذلك، يخرج من يتحدث باسم اللبنانيين ليقول العكس، وكأن الإرادة الشعبية تفصيل يمكن القفز فوقه.
إن أي سلطة تستمد قوتها من الخارج، وتُفرض بتوازنات دولية، وتستجيب للضغوط بدل أن تواجهها، تفقد جوهر شرعيتها السيادية، مهما لبست من أثواب دستورية. فالمسألة ليست فقط في الشكل القانوني، بل في مضمون القرار: هل القرار لبناني، أم يُكتب في السفارات ويُنفذ في الداخل؟
عندما يُستبدل الحوار الداخلي الحقيقي بإملاءات خارجية، وعندما تُقدَّم “أوراق” غير رسمية كسياسات ملزمة، وعندما يصبح تنفيذ الرغبات الأمريكية أولوية على حساب المصلحة الوطنية، نكون أمام انحدار خطير في مفهوم الدولة نفسه.
في لحظات كهذه، لا تعود التسميات مهمة. يسقط وهم الطوائف، وتبقى حقيقة واحدة:
هناك من يقف في صف الكرامة… وهناك من يبرر الانكسار.
وما بينهما، يُكتب مستقبل هذا البلد.
د.نبيلة عفيف غصن
