في زمنٍ تتبدّل فيه الوجوه وتبقى المشاريع، تعود الأطماع التوسعية لتتكشّف بلا أقنعة. ما يُسمّى “أوري تسافون” ليس مجرد حركة، بل لغة صريحة لعقيدة قديمة لم تتعب من إعادة إنتاج نفسها: عقيدة ترى في الأرض حقاً مفتوحاً، وفي الشعوب عائقاً مؤقتاً.
هنا لا نتحدث عن “متطرفين على الهامش”، بل عن مختبر أفكار يُدفع به إلى الواجهة لقياس ردود الفعل، تمهيداً لتحويل الخيال إلى سياسة، والسياسة إلى جغرافيا مفروضة. كل منشور، كل خيمة، كل ادعاء بيعٍ وهمي، هو حجر في بناء رواية أخطر: أن هذه الأرض قابلة للمصادرة، وأن الزمن كفيل بتطبيع السرقة.
الأخطر من الفعل هو المنطق الذي يقف خلفه. حين يُستدعى الدين ليصبح خريطة عسكرية، تتحول الأسطورة إلى سلاح. وحين يُقال إن جنوب لبنان هو “أرض موعودة”، فالمعنى الحقيقي ليس وعداً روحياً، بل إلغاء كامل لوجود شعبٍ حيّ. هذه ليست قراءة دينية، بل مشروع اقتلاع.
ومن يظن أن الأمر مبالغ فيه، فليقرأ المسار لا التصريحات. كل التجارب تقول إن التوسع لا يبدأ بالدبابات، بل يبدأ بفكرة تُزرع، ثم تُحمى، ثم تُفرض. هكذا تُصنع الوقائع: خطوة صغيرة تُختبر، ثم أخرى تُثبّت، حتى يصبح الاعتراض “خروجاً عن الأمر الواقع”.
أما لعبة “الأمن”، فهي القناع الأكثر ابتذالاً. يُقال إن السيطرة تجلب الاستقرار، بينما الحقيقة التي أثبتها التاريخ أن كل شبر يُؤخذ بالقوة يفتح جبهة جديدة، وأن التوسع لا يصنع أمناً بل يوسّع دائرة النار. لكن هذه المغالطة تُستخدم لأنها تخاطب الخوف، والخوف إن لم يُواجَه بالوعي، يتحول إلى استسلام تدريجي.
المسألة إذن ليست في نوايا مجموعة، بل في بنية مشروع يعرف ماذا يريد، ويتقدم ببطء وثقة. مشروع لا يعترف بالحدود إلا كمرحلة، ولا يرى في الاتفاقات إلا أوراقاً قابلة للتجاوز حين تتغير موازين القوة.
في المقابل، الخطر الأكبر ليس في هذا المشروع وحده، بل في من يختار أن لا يراه. في من يراهن على أن الوقت كفيل بإطفائه، أو أن التسويات قادرة على احتوائه. التاريخ القريب يقول العكس: ما لا يُواجَه في بداياته، يُدفع ثمنه مضاعفاً حين يترسخ.
هنا يصبح الوعي فعلاً مقاوماً بحد ذاته. أن تفهم أن الصراع ليس حادثاً، بل مسار. وأن ما يُطرح كفكرة اليوم قد يتحول إلى واقع غداً إن لم يُكسر منطقه من جذوره. وأن الأرض التي تُترك روايتها لغير أصحابها، تُسرق مرتين: مرة بالفعل، ومرة بالمعنى.
الجنوب ليس مساحة قابلة للتفاوض في خيال أحد، ولا هامشاً يمكن اختباره. هو حدّ واضح بين منطقين لا يلتقيان: منطق الحق الذي يرى الأرض لأهلها، ومنطق القوة الذي يرى كل شيء قابلاً للأخذ.
وفي لحظة كهذه، لا يكفي أن نغضب. المطلوب أن نكون على قدر الإدراك:
أن نسمّي الأشياء بأسمائها،
أن نكشف الوهم قبل أن يتحول إلى سياسة،
وأن نُسقط الأسطورة قبل أن تتحول إلى حدود.
لأن الحقيقة البسيطة التي يحاولون طمسها هي هذه:
الأرض التي يُراد لها أن تُمحى من الخرائط، تعود وتُرسم بإرادة أهلها… مهما طال الزمن.
د.نبيلة عفيف غصن
