مغامرات متوقعة في الحرب المتواصلة

سعادة مصطفى أرشيد

لا يزال رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو يصرّ على الاستمرار في طريقته بمواصلة الحرب وقطع الطريق على أي مبادرات قد تقود إلى إنهائها أو إلى خفض التصعيد، في حين تتعثر الولايات المتحدة في حربها على إيران، وتتعثر “إسرائيل” أكثر في حربها مع المقاومة اللبنانية، إلا أنّ ذلك كله لم يغيّر في طريقة عمل هذا الرجل الذي يذهب بعكس كلّ المؤشرات للافتراض أنّ انتصاره آتٍ وأكيد، وأنه بصدد تنفيذ مشروعه الذي أعلنه في الأسابيع الأولى من حرب غزة 2023 بإعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق مقاس إسرائيلي، حيث لن تكون في شرق أوسطه هذا إلا دولة واحدة قوية، وهي “إسرائيل” العظمى الكبرى.
أما في الحرب التي يشنّها نتنياهو على الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية، فقد حقق في غزة بعض ما أراد، حيث لا يزال مجلس السلام الذي أعلن عنه يتعثر، ومن غير المسموح لأعضائه الذين اختارتهم الإدارة الأميركية بدخول غزة. أما في الضفة الغربية فقد استطاع دفن حل الدولتين الذي أصبح شعاراً لا يصدقه الشعب الفلسطيني، الذي يسمع الحديث عن دولة فلسطينية بينما يرى بأمّ عينه أنّ الاستيطان يتسارع، وأنّ المستوطنين بسلاحهم الرسمي الحكومي يعلنون الحرب على المدنيين الفلسطينيين، الأمر الذي يترافق مهما تعلنه الحكومة في تل أبيب ووزراؤها عن مشاريع الترحيل التي يتمّ العمل عليها حالياً من خلال إفقار الشعب الفلسطيني، بعد أن توقفت “إسرائيل” عن السماح للعمال بتجاوز الخط الفاصل، وبعد أن احتجزت الحكومة الإسرائيلية أموال المقاصة التي تمثل أكثر من نصف دخل السلطة الفلسطينية، جاعلة إياها عاجزة عن دفع الرواتب لموظفيها، مما دعا رئيس الوزراء في السلطة الفلسطينية الدكتور محمد مصطفى للقول يوم أول أمس إنّ أمام الشعب الفلسطيني ستة أشهر عجاف قاسية اقتصادياً ومالياً وسياسياً وأمنياً. هذا الإعلان الذي خالفه خبراء اقتصاديون في الضفة الغربية، معتبرينه على قدر من التفاؤل، إذ إنّ الأزمة سوف تطول برأيهم أكثر بكثير مما حدّد رئيس الحكومة.
هكذا يخوض نتنياهو الحرب على جبهات إيران ولبنان وغزة والضفة الغربية، ولكن معركته الأكثر ضراوة قد تكون مع الداخل الإسرائيلي، والتي يرى أنه الأضعف بها، فقد اتفق رئيسا الوزراء السابقان نفتالي بينيت ويائير لابيد على توحيد جهودهما في الانتخابات المقبلة القريبة للإطاحة بنتنياهو وإدخاله السجن، وأن على رأس عمل الحكومة المقبلة التي سيشكلانها تشكيل لجنة تحقيق بأحداث السابع من تشرين الأول 2023، وتحديد المسؤولية عما جرى في صبيحة ذلك اليوم. في حين لم تفلح وساطة الرئيس الأميركي ولا ضغوطه على الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ بإصدار عفو خاص عن بنيامين نتنياهو، مقابل خروجه من الحياة السياسية، الأمر الذي يخالف القانون لو حصل، فلا يمكن العفو عن متهم لم تثبت إدانته أصلاً، وإنما يأتي العفو بعد الحكم القضائي أو بعد اعتراف المتهم بما نسب إليه من جرائم. نتنياهو بدوره يرفض الخروج من الحياة السياسية، ويأمل بالبقاء رئيساً للحكومة بعد الانتخابات المقبلة، بالطبع مفترضاً تحقيق انتصارات في إيران ولبنان.
الحرب لا تزال متواصلة ومرشحة للدخول في مستويات أكثر ضراوة، إنْ في لبنان وإنْ في الخليج، وما نراه اليوم ليس إلا فاصلاً قصيراً، والخطورة تكمن في مسألتين: الأولى أنّ الحرب على لبنان قد أصبحت محلّ إجماع إسرائيلي، وما نسمعه من أصوات منتقدة أو معترضة فإنها لا تعترض على الحرب، وإنما على أسلوب إدارتها غير الناجح، والمسألة الثانية أنّ نتنياهو في وضعه الحالي قد أصبح كالكلب الجريح، الأمر الذي قد يدفعه لارتكاب حماقات مغامِرة وخطيرة وغير متوقعة في إيران ولبنان…